.
.
.
.

التقاط الفرصة للإصلاح وإدارة التقلبات الاقتصادية في العراق

ثامر محمود العاني

نشر في: آخر تحديث:

صدر عن مجموعة البنك الدولي في ربيع 2021، تقرير من خلال المرصد الاقتصادي للعراق، سلط الضوء على تقلبات أسعار النفط وجائحة كورونا والتي أضافت هموماً أخرى على كاهل الاقتصاد العراقي؛ إذ عمّقت جوانب الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية القائمة وقدمت مبرراً جديداً لحالة السخط الشعبي التي سبقت جائحة كورونا. لقد كان للتراجع الاقتصادي أثره على رفاهية المواطن العراقي، وبخاصة بين أوساط العمال في القطاع غير الرسمي وأولئك الذين يعملون في قطاع الأعمال الحرة، حيث بلغت نسبة البطالة أعلى من 10 نقاط مئوية عما كانت عليه قبل الجائحة.
يعيق الحيز المالي المحدود تدفق تحويلات الدعم المالي، بما في ذلك نظام الحصة التموينية؛ إذ انخفضت نسبة الأسر التي تتلقى هذا الدعم بأكثر من 8 نقاط مئوية، فضلاً عن ذلك حدت الجائحة بشكل كبير من تعليم الأطفال. وهكذا، فإن هذه التأثريات التي صاحبها تقلص الوصول إلى الأسواق وخدمات الرعاية الطبية، قوضت تراكم رأس المال والحراك الاقتصادي.
تأثر التوازن المالي بأزمة النفط، حيث أجبر الحكومة على تقليص النفقات غير الملزمة ومراكمة المتأخرات وانخفضت إيرادات الموازنة في عام 2020 بأكثر من 9 نقاط مئوية إلى 32 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مع تقلص إيرادات النفط إلى حد كبير. وفي محاولة منها لمواجهة هذا الوضع، لجأت حكومة العراق إلى تقليص النفقات غير الملزمة، واشتمل ذلك على خفض الاستثمارات العامة بنسبة 87 في المائة، كما سعت حكومة العراق في ديسمبر (كانون الأول) 2020 إلى إجراء خفض قدره 18.5 في المائة على قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار الأميركي... وعلى الرغم من تلك الإجراءات، سجل التوازن المالي عجزاً بلغ 6.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
إدراكاً من الحكومة العراقية لفداحة الأزمة، وضعت خطة إصلاح وطنية سميت بالورقة البيضاء لتطرح من خلالها إصلاحات هيكلية من خلال التنويع الاقتصادي وتعزيز نمو القطاع الخاص وخلق فرص العمل فيه. في هذا الصدد ابتدأت بالإصلاحات التي اعتمدها قانون موازنة عام 2021، والنطاقات الأخرى لبيئة الأعمال والقطاع المالي، ولكن يبقى النجاح النهائي للإصلاحات مرهوناً بالإرادة السياسية والدعم الشعبي لتنفيذ الإجراءات المقترحة وانتشال العراق من واقع الهشاشة الذي دام طويلاً.
تشير التوقعات إلى أن الاقتصاد سوف يستعيد عافيته بشكل تدريجي على خلفية ارتفاع أسعار النفط وزيادة حصة الإنتاج في أوبك+، ويقدر أن يؤدي الخفض الحالي لقيمة الدينار العراقي لدفع التضخم إلى نسبة 8.5 في المائة خلال عام 2021 جراء القدرة المحدودة على استبدال البضائع المستوردة، وسوف يشكل ذلك ضغطاً إضافياً على مستوى رفاهية الأسرة العراقية؛ إذ لا بد من الإشارة هنا إلى أن استراتيجيات التنمية المعروفة في الاقتصاد وهي استراتيجية إحلال الواردات، وتعزيز الصادرات، والاعتماد على الذات ومرحلة تطوير الصناعات العالية التكنولوجيا، جميعها شبه معطلة في تعزيز أداء الاقتصاد العراقي وبشكل خاص الإحلال محل الواردات التي يحتاجها العراق في الوقت الحاضر، والتي يمكن أن تكون نقطة انطلاق في هذه المرحلة لتصنيع بعض المستلزمات الأساسية التي يحتاج إليها الاقتصاد العراقي من خلال تنشيط الاستثمارات الداخلية والخارجية.
يواجه الوضع المالي صعوبات متزايدة، حيث لم يدرج في قانون الموازنة عام 2021 سوى عدد محدود من إجراءات الإصلاح، ويتوقع أن تعمل إيرادات النفط التي أعقبها تأثير خفض الدينار العراقي، على تقليص العجز المالي بنسبة 5.4 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2021. وإذا ما وضعت هذه الإصلاحات حيز التنفيذ فسوف تسهم في التخفيف عن العجز المالي وضغوط سعر الصرف. وعلى أي حال، هنالك جوانب هيكلية أخرى لم تطلها الإصلاحات لحد الآن، منها الافتقار إلى المرونة في سلم رواتب القطاع العام والرواتب التقاعدية، التي كانت مرتفعة جداً بعد عام 2003، إذ لم تكن محسوبة بشكل اقتصادي وعلمي، وإنما أعدت بشكل عاطفي بالاستناد على مبررات غير صحيحة، على الرغم أني لست ضدها، ولكن يجب أن تكون الزيادة في الرواتب والرواتب التقاعدية بشكل متناسب مع المراحل التي مر بها العراق بعد عام 2003.
ما زالت هنالك مخاطر كبيرة تلقي بظلالها على آفاق التعافي الاقتصادي الهش للعراق، إلا أن تنفيذ الإصلاحات يمكن أن يكون أثره إيجابياً على الاقتصاد العراقي، إلا أن تذبذب في أسعار النفط والإخفاق في تنفيذ الإصلاحات المالية في سنة ستجرى فيها الانتخابات البرلمانية سيؤثر سلباً على الاستدامة الاقتصادية الكلية، كما إن التأخير في توزيع اللقاحات ضد فيروس كورونا قد يؤدي إلى فرض إغلاقات جديدة ستكون لها تأثريات سلبية حادة على أنشطة قطاعات الخدمات، وإلى جانب ذلك فإن تواصل ضعف الاستثمارات سيعيق تحقيق البرامج الداعمة للنمو وتقديم الخدمات.
كما ناقش تقرير البنك الدولي التعافي الأخير في أسعار النفط الذي يوفر فرصة نحو المضي قدما في طريق الإصلاحات، وإن كانت التجربة العراقية تظهر مرة بعد أخرى وجود علاقة عكسية بين أسعار النفط وتوجهات الإصلاح، فالحكومات المتعاقبة كانت تقوم بالإصلاحات تحت وطأة ضغوط انخفاض أسعار النفط والحاجة إلى احتواء النفقات العامة؛ مما أفضى إلى الاقتران بين تواصل التطورات الشعبية حيال تفشي الفساد وسوء تقديم الخدمات العامة، وظهور توترات اجتماعية وسياسية قوضت نجاح العديد من معظم مبادرات الإصلاح. وفي ظل غياب القواعد الخاصة بالمالية الحكومية، كان غالباً ما يتم اتباع السياسات الداعمة للاتجاهات الدورية للإنفاق الاستهلاكي والتوسع غير الضروري في أعقاب ارتفاع أسعار النفط، وحيث لا يكون لذلك سوى أثر بسيط على النمو غير النفطي، ولكن تبدو الأمور مختلفة بالنسبة للعراق الذي يقف في مفترق طرق بعد تراكم الجمود الاقتصادي والمالي وبلوغه نقطة أصبحت فيها الحلول السريعة محدودة وأضحى الاقتصاد في حاجة إلى تغير حقيقي إذا كان يُراد له أن يكون قادراً على خلق الوظائف لإعداد الشباب ورفع مستوى الدخول للمواطنين.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.