.
.
.
.

درس فيتنامي للبنان

رفيق خوري

نشر في: آخر تحديث:

لبنان في حاجة الى درس فيتنامي. درس تختصره قصة رواها بيلاهاري كوسيكان الذي شغل في السابق منصب السكريتير الدائم لوزارة الخارجية في سنغافورة. الديبلوماسي السينغافوري سأل نظيراً فيتنامياً له: "ماذا يعني التغيير الوشيك للقادة في هانوي لعلاقات بلاده في الصين؟ قال الديبلوماسي الفيتنامي: "كل قائد فيتنامي يجب أن يتقارب مع الصين، وكل قائد فيتنامي يجب أن يواجه الصين بجرأة دفاعاً عن حقوق بلاده. وإذا لم يفعل الأمرين معاً فلا يستحق أن يكون قائداً". والصين كانت الى جانب الإتحاد السوفياتي من أكثر الدول دعماً لفيتنام في حروب التحرير من الجيش الفرنسي ثم من الجيش الأميركي.

أما في لبنان، فإن القيادات هي على العموم من نوعين في التصرف حيال إيران وأميركا وفرنسا والسعودية وسوريا ومصر وأي بلد له دور هنا أو نطالبه نحن بأن يكون له دور: نوع يضم الأكثرية، وهو الذي يبالغ في التقارب الى حد التماهي الكامل مع مواقف البلد الذي يعتبر نفسه صديقاً له. ونوع يضم أقلية، هو الذي يواجه بجرأة أي بلد دفاعاً عن حقوق لبنان وسيادته. ونادراً ما رأينا قادة يفعلون الأمرين معاً، ويمارسون وقفة مع الذات ووقفة مع الصديق. وهذا ما نحتاج اليه لإنقاذ البلد من أزماته العميقة، وللحرص على التوازن في العلاقات مع الدول الصديقة والشقيقة ومع كل دولة بمفردها.

الدرس الفيتنامي ليس في مادة واحدة بل في ثلاث مواد إجتازت هانوي إمتحانها بنجاح. الأولى هي مقاومة المحتل ضمن الحرص على أن يكون القرار منطلقاً من موقف وطني يضع مصلحة البلد قبل أية مصالح لقوى تساعده. والثانية هي القراءة الدقيقة في موازين القوى بما يمنع المغامرات التي تؤذي البلد سواء جاءت بالخطأ أو كانت لخدمة قوة صديقة تبحث عن أوراق تخدمها. والثالثة هي الإنتقال من تحرير الأرض الى التحرر الوطني والإجتماعي والبناء والتنمية الإنسانية، من دون الوقوع في إغراء الشعارات والمقاومة الدائمة و"عسكرة" الحياة السياسية.

ولا شيء يوحي أننا نتعلم هذا الدرس. فنحن نتصرف كأننا أساتذة نعطي دروساً في كل شيء للمنطقة والعالم. المقاومة الإسلامية التي يقودها "حزب الله" صارت دائمة وتحولت جيشاً كامل الأوصاف ينخرط في حرب سوريا ويلعب أدواراً في بلدان عدة. والإستعداد لمواجهة أي إعتداء إسرائيلي هو واحدة من مهام المقاومة التي لها دور أكبر في محور "الممانعة والمقاومة" بقيادة إيران، لتحقيق مشروع إقليمي في ظل ولاية الفقيه. والقراءة في موازين القوى لدى القيادات هي، مع إستثناءات محددة، عشوائية وسطحية ومعبرة عن رغبات وأحلام. أما البناء والتنمية، فإننا فعلنا كل ما هو ممكن للقضاء على الإزدهار والنهوض الإقتصادي ونقل لبنان من أحلام الجنة الى كوابيس جهنم.

معادلة نيكسون- كيسينجر كانت: خسارة فيتنام وربح الصين. معادلة القيادات هنا هي خسارة لبنان لنفسه، مع توهم أن يربح العالم.

* نقلا عن "نداء الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.