.
.
.
.

فيسبوك بدأ خطوات التأثير على انتخابات الرئاسة الأمريكية

أحمد الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

عندما اقتحم أنصار ترامب مقر الكونجرس في يناير ٢٠٢١ وجدت الشبكات الاجتماعية نفسها في مأزق، فهي كانت الساحة الافتراضية التي استغلها أنصار ترامب للحشد والتنظيم والدعوة لاستخدام العنف، وهي المنبر الذي استخدمه ترامب لمخاطبة أنصاره في الكونجرس، وهو الخطاب الذي اعتبره الكثيرون تشجيعا على العنف. واجهت الشبكات الاجتماعية اتهاما بالتواطؤ مع المقتحمين، أو على الأقل الفشل في رصد تلك الدعوات ومنعها، والتخاذل أمام تعليقات ترامب.

ولما كان البيت الأبيض يعد أيام ترامب الأخيرة ويستعد لاستقبال الرئيس الجديد جو بايدن، وجدت الشبكات الاجتماعية أن أفضل قرار يمكن أن تتخذه هو أن تجمد حسابات ترامب، فتبعث برسالة قوية إلى أنصاره، وتبرئ نفسها من تهمة التخاذل في منع العنف، وأيضا تبعث برسالة ترحيب بالرئيس الجديد.

نجحت الشبكات الاجتماعية في أن تهرب من اتهامات تأجيج العنف، ولكنها وقعت في فخ الاتهامات بمصادرة حرية الرأي، فلجأ فيسبوك إلى الكيان الذي أسسه لمثل هذا الموقف، إنه مجلس المراقبة، الذي يتلقى التمويل من فيسبوك ويتخذ قراراته بناء على سياسات فيسبوك، ولكنه يقول إنه ينظر بحياد واستقلالية في القضايا التي يحيلها إليه فيبسبوك أو المستخدمون.

وكما كان متوقعا، أيد المجلس قرار فيسبوك بتعليق حساب ترامب، ولكنه رفض الحظر لأجل غير مسمى. وللمجلس الحق في اقتراح تعديل في سياسات فيسبوك، وبالفعل تلقف فيسبوك القرار والاقتراح ونفذهما فورا، حيث أعلن نيك كليج نائب رئيس فيسبوك للشؤون الدولية أن فيسبوك استجاب لتوصية المجلس وتبنى سياسة جديدة تنظم حظر الحسابات لمدة تتراوح بين ستة أشهر وعامين، وتمنح السياسة أيضا فيسبوك الحق في مراجعة العقوبة بعد انتهائها، وفرض حظر جديد أو تنفيذ عقوبة أكبر قد تصل إلى الحذف النهائي للحساب.

نال ترامب العقوبة القصوى وهي عامان من الحظر، وبنهاية العامين سيقرر فيسبوك ما إذا كانت هناك حاجة لحظر جديد، ويقول بيان الموقع إن القرار سيستند على تقييم ما إذا كان حساب ترامب يمثل خطرا على الاستقرار. وينتهي الحظر في يناير ٢٠٢٣ في وقت مهم للحملات الانتخابية للسباق الرئاسي لعام ٢٠٢٤ وهو السباق الذي كان ترامب ألمح إلى أنه سيخوضه، وإذا أقدم ترامب على تلك الخطوة في ظل حظره من جانب الشبكات الاجتماعية فإنه سيخوض حربا محروما من أهم الأسلحة وهو التواصل مع الناخبين عن طريق الشبكات الاجتماعية.

يواصل فيسبوك لعب أدوار سياسية، وذلك ليس مستغربا بالنظر إلى ممارسات فيسبوك خلال السنوات الماضية، وهناك واقعة الانتخابات الرئاسية الامريكية لعام ٢٠١٦، عندما تعاون فيسبوك مع شركة كامبريدج اناليتكا البريطانية في إقناع عشرات الملايين من الناخبين الأمريكيين بالتصويت لدونالد ترامب، وكثفا ظهور المنشورات التي تنتقد هيلاري كلينتون باستخدام الاتهامات الصحيحة تارة والأخبار الكاذبة تارة أخرى، وهي القضية التي باتت محل بحث لدى القضاء البريطاني ومجلس العموم البريطاني والكونجرس الامريكي.

الدور السياسي للشبكات الاجتماعية لصالح ترامب لم يقتصر على الحملة الانتخابية، فخلال أربع سنوات قضاها ترامب سيدا للبيت الأبيض، نال شعبية كبيرة على موقعي تويتر وفيسبوك، حيث بلغ عدد معجبي صفحته على فيسبوك ٨٩ مليونا بينما تابعه على تويتر ٣٥ مليونا، وبات موقع التدوينات المختصرة منصة إطلاق ترامب انتقادات نارية ضد خصومه السياسيين. التزم بعدد الحروف التي يفرضها تويتر ولكنه لم يلتزم دائما بالسياسات، وبالطبع لم يكن لدى تويتر القدرة على تحدي الرئيس الأمريكي، فلجأ إلى التسامح معه، ونشر في ٢٠١٩ سياسة جديدة قال إنها خاصة بزعماء الدول وتمنحهم مساحة أكبر للتعبير عن آرائهم.

لم تعاقب الشبكات الاجتماعية ترامب عندما كان يتمتع بقوته ونفوذه، ففي عام ٢٠١٥ شكك في ميلاد الرئيس السابق باراك أوباما في الولايات المتحدة، ولو صح ما كتبه ترامب ما كان من حق أوباما أن يترشح للانتخابات الرئاسية، وبذلك اتهم البعض ترامب في ذلك الوقت بنشر خطاب عنصري ضد أوباما وأيضا نشر معلومة خاطئة. كان ترامب في ذلك الوقت هو رجل الأعمال القوي الصاعد بسرعة الصاروخ نحو المنصب الأرفع في الولايات المتحدة فلم تعاقبه الشبكات الاجتماعية.

وفي عام ٢٠٢٠ وخلال مظاهرات ”حياة السود مهمة“ نشر ترامب على حساباته عبارة ”عندما يبدأ السلب والنهب يبدأ إطلاق الرصاص“ في تحريض على تجاوز القانون واستخدام الرصاص بدلا من الإجراءات الأمنية في مواجهة السرقة، كان هذا تحريضا صريحا على القتل وليس فقط العنف، وكان ترامب في ذلك الوقت أهم مسؤول في الولايات المتحدة بلا منازع، فلم تعاقبه الشبكات الاجتماعية.

ولكن مع دخول الحملات الانتخابية مراحل حاسمة، يبدو أن الظروف السياسية شجعت موقع تويتر على اتخاذ موقف قوي من ترامب، فعندما نشر ترامب تغريدة تشكك في نزاهة التصويت بالبريد، فوضع تويتر علامة على التغريدة تفيد بأنها تحتوي معلومات كاذبة، وهو التصرف الذي استفز ترامب، فأصدر أمراً تنفيذيا يخول المسؤولين الفيدراليين تعقب شركات الانترنت وهو ما يمهد لتعديل أو إلغاء المادة 230 من قانون الاتصالات.

وتستفيد الشبكات الاجتماعية بشكل خاص من تلك المادة حيث تعفيها من المسؤولية القانونية عن المحتوى وبالتالي لا يمكن
مقاضاة موقع تويتر مثلا بسبب تغريدة مسيئة، وبالتالي فإن إلغاء المادة 230 كان يعني ببساطة تغيير وجه الإنترنت الذي نعرفه، لأن المواقع ستتحمل مسؤولية كل كلمة وبالتالي ستواجه عددا هائلا من القضايا وستتجه لتقييد الاستخدام وهو موقف لا يمكن أن يقبله المستخدمون أو الشركات.

أما مارك زوكربيرج مؤسس فيسبوك فساند ترامب في معركته ضد تويتر، وقال إن فيسبوك لن يضع علامة مثل تلك التي وضعها تويتر مشيرا إلى أن زعماء الدول يحظون بمعاملة خاصة من الشبكات الاجتماعية باعتبارهم مصادر للأخبار، ولا يتم حذف منشوراتهم حتى لو انتهكت القواعد، وبالتالي كان فيسبوك يمنح ترامب حصانة خاصة. وتعود تلك السياسة إلى عام ٢٠١٦ ووضع فيسبوك حينها بعض القواعد لتحديد ما إذا كان المنشور يستحق تلك الحصانة، وتشمل المعايير الدولة موضوع المنشور وظروفها وطبيعة المنشور ومدى حرية الصحافة في الدولة.

وهذه المعايير تتيح لفيسبوك وحدها تحديد المسؤول الذي يستحق الحصانة وتوحي بأن السياسيين وخصوصا الزعماء يتمتعون بحماية خاصة من جانب فيسبوك، ولكن الشركة أصدرت توضيحا في نفس يوم الإعلان عن مصير حساب ترامب، وقالت فيه إن هذه الحصانة متاحة لكل الحسابات على فيسبوك ولكن بالطبع يمنح فيسبوك نفسه حرية وضع السياسات وتطبيقها وتعديلها.

دائما ما يقول مسؤولو الشبكات الاجتماعية إن عملية تحديث السياسات مستمرة لأن الظروف تتغير كل يوم، وهذا خطاب يهدف إلى طمأنة الجمهور والمستخدمين ولكن الخوف أن تكون عمليات التعديل ذات أسباب وأهداف سياسية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.