.
.
.
.

٧ يونيو ٦٧.. الأسئلة الصعبة

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

فى أحد أحاديثه التلفزيونية، ذكر الراحل محمد حسنين هيكل أنه كان فى مكتبه بجريدة «الأهرام» مساء السابع من يونيو ٦٧ حزينا ومحبطا مما يجرى فى جبهة القتال، كانت الهزيمة المُرة تكشفت وتأكدت أمام الكثيرين، ولم يعد الأمر سرا.. كانت الأخبار وصلت إلى الشارع منذ مساء الخامس من يونيو وتراجعت فرحة البيانات الأولى التى أطلقها أحمد سعيد بصوته المجلجل عن ضرباتنا الناجحة لطيران العدو فى بلد ضخم وعريق مثل مصر ومجتمع حى كمجتمعنا يصعب إخفاء أمر جلل لأكثر من ساعات.. والحادث أن الإذاعات ووكالات الأنباء الدولية كانت مسموعة جيدا فى مصر، فضلًا عن الإذاعات المعادية، كان راديو إسرائيل يُسمع بوضوح تام فى الدلتا بكل محافظاتها، فضلا عن الـ«بى.بى.سى» وراديو «صوت أمريكا» وغيرهما، هذا على مستوى الشارع، فما بالنا بقطاعات النخب من صحفيين وجامعيين وغيرهما، الذين يتابعون بحكم العمل أو الاهتمام وكالات الأنباء الدولية، وهى على الأغلب لم تكن ودودة تجاه الدولة المصرية ونظامها السياسى.

مقالات متعلقة

فاروق أم عبد الناصر؟

كان اسمه «الحل السياسى»

سلام السادات.. على خطى عبدالناصر أم تمرد عليه؟

يذكر هيكل أنه فى ذلك المساء فوجئ بعدد من كتاب الأهرام يدخلون إليه، يتقدمهم شيخهم توفيق الحكيم، وراحوا يتحدثون فى شأن ما يجرى على الجبهة، لكنهم تطرقوا إلى ما بعد ذلك، قال له توفيق الحكيم، فيما يبدو وكأنه يتحدث بلسان زملائه أو ربما يفكر بصوت عالٍ: «مادام الحكاية كده، مانشوف الناس دول عاوزين إيه ونقعد وياهم».

هنا تترى التساؤلات: هل كان الحكيم يقصد المعنى حرفيًا: الجلوس مع الإسرائيليين والتفاهم معهم أو محاولة الوصول إلى صيغة ما للتفاهم.. أو كان مازال فى مرحلة الهول من حجم ما وقع؟، وهل كان يرغب هو وزملاؤه فى الحديث مع رئيس التحرير، رجل الدولة والنظام، أم أرادوا إبداء الرأى كى يصل من خلاله إلى الدولة، تحديدا إلى الرئيس عبدالناصر شخصيا؟.

لتجديد العلم فقط، كان الحكيم ومَن معه من الكتاب محسوبين على النظام وعلى عبدالناصر شخصيا.. صحيح أنه كانت لدى الحكيم، مثل بقية زملائه، ملاحظات على أداء بعض مؤسسات الدولة وبعض قياداتها، لكنها ملاحظات وانتقادات تخرج من عباءة النظام، وكانوا جميعًا يجدون الحماية المباشرة من الرئيس عبدالناصر شخصيًا إذا دعت الأمور.. حدث ذلك بالنسبة للحكيم وكذلك نجيب محفوظ، وحدث من قبل مع طه حسين شخصيًا ومع عباس العقاد أيضا، رغم كل الشائعات عن الكراهية بين ناصر والعقاد، وكانوا يشعرون أن خلفهم «ضهر» يحميهم من الاتحاد الاشتراكى ومن المشير عامر ورجاله.. كان كتاب «الأهرام»، خاصة الحكيم وأصدقائه، بنظر قادة الاتحاد الاشتراكى مجموعة من «اليمين المتعفن»، واختص عبدالحكيم عامر نجيب محفوظ بالكراهية بعد أن نقل له رجاله أن محفوظ قام بالملاسنة عليه وعليهم فى روايته «ثرثرة على النيل»، هذا الظهير القوى هو عبدالناصر شخصيا، لذا راحوا يتحدثون مع من يمكن أن ينقل صوتهم إليه سريعًا وفى تلك اللحظة العصيبة.

قولهم مهم، لكن الأكثر أهمية هو رد هيكل عليهم.. وطبقا لروايته هو، لم يرد، يبدو أنه لم يكن لديه ما يقوله أو لا يريد الخوض فى هذا الأمر، وربما ينتظر رد فعل الرئيس، لذا قرر الانسحاب من ذلك النقاش، فقط اكتفى بدور المستمع، ثم استأذن منهم مدعيا «أنا مطلوب الآن»، ففهموا هم أنه متوجه إلى الرئيس عبدالناصر، لكنه توجه إلى بيته عاكفًا على نفسه، بعيدا عن القيل والقال.. حتى لو كانت دردشة أو فضفضة مع الحكيم، كانت اللحظة ثقيلة على الجميع، خاصة من يتابع تفاصيلها، وكانت الكثير من التفاصيل تسربت إلى المواطنين.

الذى حدث بعد ذلك معروف للجميع، وانطلق الخيال الجمعى ليصور كثيرًا من التفاصيل عن انهيار عبدالحكيم عامر وتجاوزات بعض رجاله وتطاولهم البذىء على جمال عبدالناصر، لكن يعنينا الآن مصير مقولة الحكيم ومن معه فى مكتب رئيس تحرير الأهرام «نقعد معاهم». والحق أن أفضل من يسعفنا فى ذلك هو عظيم الإبداع المصرى والعربى نجيب محفوظ.

فى العام ٦٧، أصدر محفوظ مجموعة قصصية بعنوان «تحت المظلة»، فى داخلها نص مسرحى أو حوارية بعنوان «يميت ويحيي»، سوف نلاحظ فى العنوان أن الموت يسبق الحياة، أو أن الحياة تتأتى بعد الموت، النص يدور حول الواقع واللحظة الحاضرة، وليس حول قضايا ميتافيزيقية كما قد يتصور البعض للوهلة الأولى سنة ٦٧، كنا فى حالة موات، أو كنا فى صراع حقيقى بين الحياة والموت، فى تلك السنة ورغم الهزيمة العنيفة، نجد صراعًا على السلطة فيما عرف باسم «مؤامرة المشير عامر»، كان المشهد مؤلمًا ومحبطًا للكثيرين، خاصة بعد أن ارتفع الصوت بالحديث عن «مراكز القوى» داخل النظام، وجاء التعبير على لسان عبدالناصر نفسه. وانتشرت عشرات الحكايات عن حجم الفساد الشخصى والمالى والسياسى للمجموعات التى أطيح بها من المشهد العام، خاصة أولئك الذين كانوا فى دائرة عامر.. بالنسبة لنجيب محفوظ نفسه عرف بأمر المهمة التى انطلقت نحو بيته فى العجوزة بأمر من المشير عامر لاعتقاله، ثم صدر الأمر بإيقاف المهمة وعودة المكلفين بها من منتصف الطريق إثر تدخل صارم من عبدالناصر فى اللحظة الأخيرة.. عرف كذلك سطوة شمس بدران على الموسيقار محمد عبدالوهاب، حيث كان يستدعيه ليلا كى يعزف ويغنى له وحده، ويقوم بتسجيل تلك السهرات لنفسه، ولا يجرؤ عبدالوهاب على المطالبة حتى بنسخة من التسجيلات.

فى هذا النص من مجموعة محفوظ «تحت المظلة» نقرأ تساؤلات بطل النص، يسميه الكاتب «الفتى»، من هو البطل؟ فلا يأتيه رد، يصله فقط صدى صوته، ثم يتساءل هو نفسه: أهو المحارب؟ فلا نسمع إجابة، فقط صدى صوته مرددًا السؤال نفسه.. وهكذا يواصل هو صارخا: أهو المسالم؟ ولا يتلقى أى رد.. يأتيه الصدى بالسؤال نفسه وبصوته، بإزاء ذلك يتألم الفتى مرددا: «اللعنة.. اللعنة.. اللعنة»، من يقرأ تلك الصفحات بتمعن يدرك جيدا أنها كُتبت تحت وطأة ما جرى. هنا صورة البطل لم تعد كما كانت، المحارب القوى المنتصر أو الذى يلقى حتفه شهيدا فى ميدان القتال أو حتى بمنطق الفتوات القديم يحمل نَبّوته مدافعا عن الحارة أو عن الفتونة ذاتها فيبطح خصمه ويجهز عليه أو يهزم بشرف وكبرياء، هكذا يكون الأمر فى كثير من أعمال نجيب محفوظ السابقة واللاحقة، ولم يحدث هذا أو ذاك فى حرب الأيام الستة. أصدر عبدالحكيم عامر أمرًا للقوات فى سيناء بالانسحاب على عجل دون خطة مجهزة ودون سيناريو منظم ومحكم، بل انسحاب عشوائى وفوضوى. بدا الأمر معه وكأنه هروب أو فرار من الميدان، وعمليًا لم نحارب ولم نخض المعركة، بغض النظر عن الانتصار أو الهزيمة.

فى ذلك النص، يقدم نجيب محفوظ معنى جديدا للبطولة وللبطل، قد يكون المحارب وقد يكون المسالم، وهذا هو الجديد.. مِن قبل كان البطل هو المحارب فقط، منتصرًا أو حتى لو هزم واستشهد.

السلطان العادل طومان باى هزم أمام الغازى المحتل سليم الأول، ثم حكم عليه بالشنق وشُنق على باب زويلة جهارا نهارا يوم الجمعة أمام الجميع، لكنه اعتبر ومازال بطلا فى نظر المصريين، الذين أكبروا عدم تهيبه المشنقة وتفضيل الشنق على أن يحكم مصر باسم المحتل، بعد أن كان سلطان مصر والشام.. أحمد عرابى هزم سنة ١٨٨٢ وحوكم ونفى، لكن عموم المصريين عدّوه بطلا وتغنوا به، هكذا كان البطل دائما فى التاريخ وفى المخيلة الجمعية، أما أن يكون البطل هو «المسالم» أو رجل السلام وليس فقط رجل الحرب، فهذا ما نجده فى التفكير سنة ١٩٦٧ بعد الهزيمة مباشرة.

ترى، كيف سار التفكير بعد ذلك، أى فى تلك السنوات الصعبة؟!.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.