.
.
.
.

ذكرى مجلس التعاون.. ثورة إيرانية.. فوضى عربية

عبد الله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

في عام 1981، نقلني الزمن من مدينة نيويورك إلى مدينة أبوظبي لحضور لقاء قادة دول مجلس التعاون في حفل توقيع وثيقة قيام مجلس التعاون، بعد موافقة الدول على النظام الأساسي للمجلس. كانت قفزة في معانيها ومحتواها ومسؤولياتها..
كنت في نيويورك بين سفراء ودبلوماسيين، بعضهم يتطلع لوظيفة في الأمم المتحدة، والبعض الآخر راضياً بالموجود، وفريق مبعد من حكومته، والبعض الأخير يحلم بمفاجأة تفتح له أبواب الرزق.

أستذكر تلك الأجواء ومعانيها المتباينة، بعد أن وجدت نفسي جالساً على يمين الشيخ زايد بن سلطان، رئيس دولة الإمارات العربية، وأمامي الملك خالد بن عبدالعزيز في زيه الملوكي، وملامحه الجميلة، يوقع على وثيقة المجلس، وعلى مقربة منه يجلس الشيخ خليفة بن حمد آل ثان، أمير دولة قطر، وجلالة السلطان قابوس في حلة السلاطين، وأمير الكويت الشيخ جابر على اليسار في محياه الأنيق.. ابتعدت عن مدرسة الوسواس في نيويورك إلى بساتين البهجة التي يقطنها قادة الخليج.

والحق أن ولادة المجلس جاءت مريحة وواعدة رغم اضطراب الفضاء الإقليمي، عند التوقيع في مايو 1981، فمنذ فترة، سقط الشاه وجاء نظام المرشد في طهران يستلهم القرار من إمام المستضعفين، الذي غاب من ألف سنة، بمأمورية دينية، ترتكز على تحرير المظلومين من قيود الأسوار ومن الشياطين الكفار، الأمر الذي تسبب في ولادة الاضطراب الإقليمي، لا سيما مع تحولات دبلوماسية الرئيس السادات لتطبيق معادلة الأرض مقابل السلام.

ثم تأتي قمة بغداد 1979، للمقاطعة والمناكفة وسط أجواء الترهيب والتهديد للوفود الخليجية من مخابرات صدام حسين، لإجبارها على المقاطعة، وتخرج من ذلك المؤتمر جبهة الصمود والتصدي وهي مجموعة راديكالية من العراق وسوريا ومنظمة التحرير والقذافي واليمن بشقيه، ويتفتت العالم العربي في هلع نحو تأكيد الأمن والسيطرة.

في ذلك الجو المشحون بالتوتر والمفاجآت، وقع قادة كل من الكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، على وثيقة قيام مجلس التعاون، وتشكلت منظمة سياسية خليجية جامعة، لربط هذه الدول في جميع مظاهر الحياة، دفاعياً وأمنياً واقتصادياً وثقافياً وتعليمياً، مع توجهات بمراعاة التدرج في الأولويات والبدء في ما يفيد المواطن من إقامة وتجارة وتنقل.

كانت أهداف المجلس:

أولاً: الحفاظ على أمن الدول الأعضاء واستقرارها وحماية سيادتها وصون حدودها، وإدامة حياتها الطبيعية، لصد مساعي الثورة الإيرانية لإدخال الاضطراب وتحصين الجبهة الداخلية من مغامرات الراديكالية العربية.

ثانياً: ترسيخ الأعمدة التاريخية التي تقوم عليها الدول الأعضاء ببناء شبكة تسهل مسار التواصل الاستخباراتي للعمليات الاستباقية الجماعية ضد الإرهاب.

ثالثاً: تحقيق مبدأ الاعتماد على الذات بربط القوات المسلحة الخليجية ضمن تصور عسكري مشترك وتحقيق التكامل الدفاعي.

رابعاً: ينطلق العمل الدبلوماسي الخليجي الجماعي تحت لافتة توحد المواقف السياسية في القضايا العربية والعالمية مع تأكيد دور المجلس في حل الخلافات العربية وبذل أقصى جهد لإزالة هذه الخلافات.

خامساً: توقيع اتفاقية اقتصادية موحدة لتحقيق الانسياب التجاري بين الدول وتوحيد الرسوم الجمركية، مع تأكيد حرية التملك والتنقل والعمل والمساواة بين مواطني الدول الأعضاء.

سادساً: تأكيد الالتزام بدبلوماسية نفطية موحدة تراعي حقوق المستهلكين والمنتجين وفق معدل سعري يرضي الجانبين، مع التنسيق في إطار اجتماعات «الأوبك»، مع إبراز مسؤولية الدول الأعضاء ودورها في المساهمة في التنمية العالمية.

سابعاً: صياغة نظام عربي جديد يرتكز إلى وحدة المفهوم والأهداف والمصالح المتبادلة، يحترم شرعية كل دولة وسلامة حدودها الإقليمية وسيادتها وسيطرتها على مواردها الطبيعية.

هذه أبرز الخطوط العامة لأهداف المجلس، وبعد مرور هذه السنوات، لا بد أن نرصد ما تحقق من هذه الأهداف، فعندما انتهت فترة انتدابي في أبريل 1993، سجلت الملاحظات التالية:

- لم يستطع المجلس تحقيق الاعتماد على الذات رغم مساعي اللجان العسكرية، والسبب يعود إلى قوة التصاق الدول بمفهوم السيادة والإصرار على السقف العالي فيها وغياب المرونة لمتطلبات العمل الجماعي، ورغم الجهود التي قام بها المغفور له جلالة السلطان قابوس، بطرح مشروع الجيش الخليجي الموحد، فإن أعباء التنفيذ كانت أكبر من مرونة الدول، لكن ذلك لم يضعف القناعة بضرورات الاعتماد على الذات.

ولا شك بأن الأزمة الأخيرة عطلت الوصول لتحقيق الأهداف السبعة، فنبعت الأزمة من حرص البعض على تحصين الدولة الوطنية من استحقاقات العمل الخليجي الجماعي، ليس في الجانب العسكري فقط، إنما في جميع الجوانب.

هذا الواقع أصاب الدبلوماسية الخليجية الموحدة بضربة قاسية، وبالذات تلك المواقف الخاصة حول القضايا الإقليمية مثل العلاقات مع إيران والمنظور الخليجي لجماعة حماس، والعلاقات مع إسرائيل وأولويات العمل الجماعي للمجلس.

كما تأخر تنفيذ بعض الجوانب في الاتفاقية الاقتصادية خاصة في انسياب حجم التجارة البينية والمشاريع المشتركة والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

في الجانب التفاؤلي، يمكن الإشارة إلى المساعي الحميدة التي قام بها المرحوم الشيخ صباح الأحمد، أمير الكويت، لتجاوز مسببات المقاطعة، وما تبعها من مبادرات، من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في الدعوة إلى القمة الخليجية التي عقدت في مدينة «العلا» وخرج منها الاستنفار الخليجي المتجدد، بتأكيد الإيمان بمسيرة مجلس التعاون، والوقوف على منافعه والتمسك به، وتأكيد ضرورة الانتقال إلى فصل الاتحاد بعد اكتمال حقوق التعاون، وتجديد العمل في ترميم الجسور التي أرهقتها الأزمة، مع ولادة الديناميكية نحو استئناف المسيرة بزخم جماعي يطمئن أبناء المجلس ويريح الآخرين من عرب ومن أعضاء الأسرة العالمية العارفين بدور الخليج في الاستقرار العالمي، وفي الازدهار الاقتصادي الجماعي، ودوره في العقلانية الدبلوماسية اقليمياً وعالمياً، ومسؤولياته في حيوية النظام الاقتصادي العالمي.

يقول وزير خارجية قطر الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثان: «إن قمة العلا ومخرجاتها طوت صفحة صعبة على المجلس»، ويؤكد: «هناك رؤية ايجابية من قيادتي قطر والسعودية بأننا سنتجاوز هذه الخلافات، ونعمل على توثيق العلاقات مستقبلاً. وننظر برؤية مستقبلية مشتركة لرخاء شعوبنا».

في هذه المرحلة جددت دول الخليج بأن المجلس هو الحوض الذي ترتاح له وتعمل في إطاره وتسعى للوصول إلى تنفيذ أهدافه، فلا بديل عنه لحماية دول الخليج من العبثيات الإقليمية، ولا خيار غيره في العمل الخليجي العالمي، حيث تلمس دول الخليج من خلاله التقدير لاعتدالها، والدعم لتواجدها التنموي العالمي، والمساندة لدورها في تأمين السلم والاستقرار في بقعة استراتيجية ذات طبيعة خاصة في حياة الأسرة العالمية.

وأعجبني تعليقه على الوضع في سوريا في قوله: «لم نرَ أي أفق لحل سياسي يرتضيه الشعب السوري، لم نرَ أي تقدم في ذلك، هناك استمرار في النهج والسلوك نفسيهما، فليس لدينا أي دافع لعودة العلاقات في الوقت الحالي مع النظام السوري.. هذا النظام يرتكب جرائم بحق شعبه».

هذا الموقف يتناغم مع التوجهات للأسرة العالمية، فالنظام السوري فقد شرعيته بالاستناد إلى موسكو وجيشها لحمايته من غضب شعبه، فلا فائدة في الدعوة لانتشاله، فالمأساة جاءت من تمسك النظام بالحكم ومن تحديه لإرادة الشعب السوري المكافح، لعل هذا الموقف يترجم الموقف الجماعي لدول المجلس التي دائماً تلتزم قرارات الشرعية الدولية، لا سيما تلك التي تتناول المبادئ الإنسانية كما جاءت في الميثاق.

في ذكرى الأربعين لقيام المجلس، نقف إجلالاً للمؤسسين الذين أدركوا ضرورات قيام المجلس للتعامل مع الإفرازات التي تولدت من التبدلات الإقليمية والانقسامات العربية، ونحيي قيادات اليوم لتجديد الالتزام بالمأمورية التاريخية التي رسمها المؤسسون لحماية الدول الأعضاء من أعاصير التخريب والتطرف.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.