.
.
.
.

وانتصر الفن

كرم جبر

نشر في: آخر تحديث:

بعد نكسة 1967 شحذ الفن المصرى كل أسلحته لمقاومة الاحتلال، وأدمعت عيون المصريين وقلوبهم، على سمسمية "محمد حمام": "يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي، أستشهد تحتك وتعيشى إنتي"، و"راجعين بقوة السلاح، راجعين نحرر الحما.. راجعين كما رجع الصباح، من بعد ليلة مظلمة"، ولم تنكسر مصر رغم الهزيمة ولم تنحنِ رؤوس شعبها، لأن فيها قوة ناعمة استطاعت أن تجفف الدموع وتضمد الجراح، وشكل الفنانون خط دفاع سحريا، حتى جاء النصر فى حرب 73، واختلطت أصوات المدافع وأزيز الطائرات بأغان وطنية خالدة، لا تزال تحفر فى الوجدان ملحمة صمود المصريين.

30 يونيو هى التى أنقذت الفن الجميل من الاغتيال بطلقات الرصاص و"صليل الصوارى"، وحفظت للأمة أحد أهم عناصر قوتها الناعمة، ولم تفهم الجماعة الإرهابية سر الفنون المتوارثة من أيام الفراعنة، ولأنهم نجحوا فى السطو على ثورة يناير، انعكس أفقهم الضيق وأفكارهم الرجعية على الأغنية الوطنية، فلم نسمع لحناً مميزاً أو صوتاً واعداً يشدو بحب مصر ويقدس عيونها، وأحس الفنانون أكثر من غيرهم أن وطنهم يذبح وحضارته تضيع، وأن الغربان الزاعقة تحاول اغتيال صوت عبد الحليم وعبد الوهاب وأم كلثوم ومحمد قنديل، واستبدالهم بمارشات جنائزية تحض على القتل والذبح وسفك الدماء، أغان إخوانية غريبة على الأذن والوجدان وتجرح الكيان الوطنى الواحد، على منصة رابعة والنهضة.

أصبحت "تسلم الأيادي" العدو اللدود للإخوان، واعتدوا على المواطنين والسيارات والسرادقات التى تتغنى بها، لأنها ببساطة أعادت رسم البسمة على الوجوه والشفاه، واستحضرت فى نفوس الناس ذكريات الأغانى الوطنية، وقالت لهم إن مصر بلد الفن وليس القبح، وأن شعبها قد يجوع ولكن يغني، وأن المشاعر الوطنية فى أعماقهم كانت تنتظر من يزيحكم عنها، فغنوا ورقصوا وضحكوا وعادت ابتسامتهم مع "بشرة خير".

خرج المصريون بالملايين لتحرير وطنهم من براثن التخلف والرجعية، وأعداء الحياة، ولن يفهموا الدرس أبداً وهو أننا شعب يعزف النيل فى أعماقه لحن الخلود "حب الوطن فرض عليا"..

"مليش يا مصر حبيب غيرك، أميل إليه فى الدنيا دي.. دا أنا اللى متربى فى خيرك وإزاى راح انسى هوا بلادى"، هكذا شدا الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، بأغنيته الوطنية الرائعة "حب الوطن فرض عليا"، وهى من نوع العشق الوطنى الناعم الذى لا يعرف الصراخ والصخب، ورغم سهولة اللحن إلا أنه يفتت الصخر فى القلوب، وغنى وراءه الملايين حيث كانت تلك الأغانى سلاحاً لشحذ الهمم واستعادة الروح، وتجسيد القوة الناعمة المصرية فى أحسن صورها، أما الآن فالأغانى الوطنية تحتاج من يبث فيها الحياة.

* نقلا عن "أخبار اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.