.
.
.
.

أميركا.. وزمن الموجة السادسة من الانحدار

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

أحد الأسئلة المثيرة المطروحة على موائد النقاش الأكاديمية منذ نحو عقدين تقريبا، هو ذاك المتعلق بالولايات المتحدة الأميركية ومستقبلها، وهل كيانها الاتحادي ماض قدما في طريق المزيد من الوحدة والتشابك العضوي، ما يضمن للدولة الإمبراطورية البقاء لعقود قادمة، أم أن هناك في الأفق وما وراءه من آفاق، ما ينذر ويحذر من أفول إمبراطوري قال به بعض من كبار المؤرخين الأميركيين، من عينة بول كيندي، وألمح إليه رجل الدهاء الأشهر زيجينو بريجنسكي؟

واقع الحال أن انقساما كبيرا جرت به المقادير في شأن البحث عن الجواب، فالبعض يقسم بأغلظ الإيمان أن أميركا من خطر التفكك والتفسخ في أمان، وفريق آخر يضم وللمفاجأة رجالات من وزن المؤرخ وعالم الاجتماع النرويجي الأشهر يوهان غالتونغ، يؤكدون أن أميركا لن يطول بها المقام، بل إن الأخير قد حدد العام 2025 ليكون بداية للانحلال الوحدوي الأميركي إن جاز التعبير، وما يثير الخوف هو أن تنبؤات غالتونغ لجهة الاتحاد السوفيتي السابق، قد تحققت برؤية نبوية قطعية لم يقاربها الشك.

والشاهد أنه وفي رحلتنا البحثية هذه، ربما يتحتم علينا البحث عن الركائز التي تجعل أي أمة في العالم قوية ولها مستقبل، ويمكننا أن نلقي الضوء على أربعة منها كالتالي:

أولا: القوة الاقتصادية، وهذه قد تاثرت بالفعل، لا سيما في العامين الأخيرين، وقد بلغت ديون أميركا قرابة 27 تريليون دولار، ما يعني إرهاق الأجيال الأميركية القادمة.

ثانيا: قوة التماسك الاجتماعي، وهنا فإن الحال يغني عن السؤال، بمعنى أن السبيكة المجتمعية الأميركية، وكما رآها العالم في أعوام دونالد ترمب، ليست في أفضل حالاتها، وقد بلغ بها الشقاق والفراق أن انقسم الأميركيون إلى بيوريتانيين وجاكسونيين، جماعة تعترف بفلسفة بوتقة الانصهار، وأخرى ترفضها وتؤمن بحقها في الحفاظ على جذورها العرقية ومحدداتها الثقافية وثوابتها الدوجمائية.

ثالثا: قوة التلاقي على هدف قومي محدد، وبالنظر إلى الواقع الأميركي في العقدين الأخيرين، ترسخ لدينا قناعة بأن أميركا لم تعد على قلب رجل واحد، وحتى رؤية المحافظين الجدد الخاصة ببسط الهيمنة الأميركية على المسكونة وساكنيها، باتت محل جدل عنيف بين فريق يطالب بالانعزالية والتمترس وراء محيطين، وفريق آخر يرى أنه يتوجب على واشنطن أن تجوب البحار والفضاء للحفاظ على هيمنتها.

رابعا: القوة المسلحة وإمكاناتها، وهنا تبدو الولايات المتحدة الأميركية في عيون العالم القوة الضاربة عسكريا، وهذا صحيح حتى الساعة، غير أنه حكما لن يطول بها المقام على هذا النحو في ضوء التقدم الروسي في نوعية التسلح، خاصة الصواريخ الفرط صوتية من جهة، والأسلحة الصاروخية التقليدية الجهنمية من جهة ثانية، ومنها صواريخ مثل سارامات، عطفا على الغواصات غير المأهولة من نوع بوسيدون، والتي هي أقرب إلى صواريخ تحت المياه، يمكنها أن تحدث تسونامي يغرق كبريات المدن الأميركية.

حتى هنا فالتحليل على أهميته يبدو تقليديا، أما الجديد فهو التساؤل عن العلاقة بين مستقبل الولايات المتحدة، والتبعات التي خلفتها جائحة كوفيد -19 المستجد.

في كتابه الأحدث: "عشرة دروس لعالم ما بعد الوباء"، لمؤلفه الصحفي والباحث السياسي، والمؤلف الهندي الأصل الأميركي الجنسية فريد زكريا، نجد رجع صدى للتساؤل المتقدم.

عند زكريا أن كوفيد -19 لم يسرع فقط في زيادة حدة الانحدار الأميركي فحسب، بل أدى إلى اشتداد المخاوف المتعلقة بصعود الصين، كما حدث ذلك في ظل البنية التحتية الأميركية الهشة التي تقارن غالبا بالمدن الصينية المتألقة، وقد قورنت استجابة واشنطن غير الفعالة لمحاربة الوباء، بسيطرة بكين التامة على المرض، فعلى الرغم من كونها البؤرة الأساسية لفيروس كورونا، لم تتمكن الصين من حل مشكلتها وتسوية المنحنى التصاعدي للإصابات فحسب، بل تمكنت من خفض هذا المنحنى بسرعة كبيرة.

في صفحات كتابه المثير يعود بنا زكريا إلى مقال نشر في مجلة الفورين آفيرز الأميركية الشهيرة عام 1988، أي قبل انهيار وانحدار الاتحاد السوفيتي، وجد الباحث في جامعة هارفارد، صموئيل هنتنجتون، العديد من الأمثلة عن أشخاص يتحدثون عن الانحدار الأميركي لدرجة أنه صاغ مصطلحا لهم فدعاهم بالمنحدرين.

في تحليل هنتنجتون يمكننا تلمس خمس موجات انحدار مرت بها الولايات المتحدة الأميركية، كانت الموجة الأولى من جراء إطلاق الاتحاد السوفيتي القمر الاصطناعي سبوتنيك، بينما حدثت الثانية في أواخر ستينات القرن العشرين بسبب غرق الولايات المتحدة في مستنقع فيتنام، وحدثت الثالثة إثر أزمة النفط في عام 1973، والرابعة حدثت نتيجة نهضة اليابان في أواخر ثمانينات القرن العشرين.

والمثير أنه على الرغم من ذلك تمتعت أميركا بالهيمنة على العالم، لدرجة أنه كان لابد من كارثة لتزعزع ثقة الأميركيين في سيادتهم وريادتهم، وتضعف موثوقية الإمبراطورية الأميركية في عيون العالم، لكن هذا ما قد حدث بالفعل في الفترة الممتدة من حرب العراق عام 2003 وحتى الأزمة المالية العالمية في 2008.

هنا يطفو تساؤل على السطح، هل يكون فيروس كورونا، وما أظهره من ضعف في ثنايا العظمة الإمبراطورية للولايات المتحدة بداية لموجة الانحدار السادسة، أم أن أميركا قادرة على إعادة استنهاض قواها، والوقوف صفا وحدا في مواجهة "أسطورة الانحدار الأميركي".

هل ستثبت هذه الموجة السادسة أنها مجرد غيمة عابرة أخرى من الموت والظلام أم أننا نشهد تراكما لنقاط ضعف، أرخت كل واحدة منها ثقلها على الأخرى ما أدى في النهاية إلى الانهيار؟

في كل الأحوال قد تكون قيادة الرئيس جوزيف بايدن لدفة السفينة الأميركية في السنوات الأربع لولايته محددا ومعيارا رئيسا للجواب، خاصة لمدى قدرته على شفاء الجروح التي أصابت النسيج المجتمعي الأميركي، ومعالجة الأخطاء التى علقت بالسياسات الخارجية الأميركية من عند مغامرات بوش الابن الاندفاعية، مرورا بالقيادة من وراء الكواليس الأوبامية، وصولا إلى أميركا الانعزالية في أوان ترمب.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.