.
.
.
.

الملء المؤجل

عمرو الشوبكي

نشر في: آخر تحديث:

فشلت إثيوبيا فى إتمام التعلية المطلوبة لاستيعاب الملء الثانى لسد النهضة، حيث قامت بتعلية 5.4 متر فقط فوق منسوب المياه، فى حين أن المطلوب إجراء تعلية بمقدار 35 مترًا ونقل ارتفاع الممر الأوسط من 560 مترًا إلى 595 مترًا.

وبناء عليه سيصبح من المستحيل على إثيوبيا (رغم كل التصريحات العنترية التى أطلقتها) أن تتم الملء الثانى فى موسم الفيضان الذى من المنتظر أن يبدأ فى خلال أسابيع قليلة.

وقد تكون هناك أسباب مختلفة لهذا التأجيل، بعضها يرجع إلى فشل فنى وإدارى، وهو ما يضع علامات استفهام كثيرة على قدرة إثيوبيا على إدارة هذا السد فى حال اكتماله، وقد يكون هناك عجز فى التمويل دفعها أيضا لتأجيل التعلية، أو نتيجة الضغوط الدولية والتحركات المصرية التى دفعت إثيوبيا إلى التأجيل للمناورة مرة أخرى.

والمؤكد أن فشل إثيوبيا فى التعلية لا يعنى نهاية المعركة، إنما هى هدنة مؤقتة ستحاول من خلالها تحسين شروطها الداخلية والخارجية وتقليل الضغوط عليها لتعيد الكرة مرة أخرى.

والحقيقة أن إثيوبيا تلعب بأوراق ثلاث، أولاها التمسك بالمظلة الإفريقية، وشهدنا نتائج اجتماعاتها التى لا تغنى ولا تسمن، سواء التى رعتها جنوب إفريقيا، أو التى جرت مؤخرًا فى كينشاسا برعاية الكونغو، وأن أقصى ما يمكن أن تقوم به هذه المظلة هو دفع إثيوبيا لتقديم تنازلات شكلية فى عملية الملء أو تعطى بعض المعلومات التفصيلية للجانب السودانى من أجل فصل موقفه عن الموقف المصرى، رغم أنه هو الذى سيتضرر وبشكل فورى من الملء الثانى فى حال جرى فى أى مرحلة.

ومع ذلك حرصت مصر على المشاركة فى هذه المفاوضات برعاية الاتحاد الإفريقى، لتقديم رسالة للعالم بعدم جدية الجانب الإثيوبى فى التوقيع على اتفاق ملزم للملء والتشغيل.

أما الورقة الثانية فهى تحويل قضية السد لعامل للوحدة الداخلية، فروجت لخطاب سياسى ودعائى عبأ خلفه قطاعًا واسعًا من الشعب الإثيوبى (رغم انقسامه العرقى العميق) ترسخت لديه قناعة بأن السد هو مشروع نهضته وتقدمه، فساهم فى بنائه وتمسك بحقه فى التنمية، وهو ما لم تعترض عليه مصر ولكنه تجاهل الضرر الوجودى الذى سيسببه للآخرين.

وأخيرًا فإن الهدف الحقيقى لإثيوبيا ليس فقط أو أساسًا التنمية أو توليد الكهرباء، إنما السيطرة والهيمنة على مصادر المياه وإعطاء أدوار لنفسها أكبر من قدرتها من خلال التحكم فى ورقة المياه.

ويكفى ما جاء فى بيان المتحدث الرسمى لوزارة الموارد المائية المصرية على صفحته الرسمية من تفاصيل تؤكد أن إثيوبيا فى حاجة إلى 15 مليار متر مكعب لتشغيل التوربينات العليا لتوليد الكهرباء وليس 74 مليارًا كما تروج، أو 50 مليارًا كما تسعى.

سيبقى التأجيل مفيدًا لمصر وقد يمكنها من حسم قريب لمعركة السد الوجودية.

* نقلا عن " المصري اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.