.
.
.
.

صراع في إسرائيل وصراخ في أماكن أخرى!

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:

في بيروت، عندما كانت مكاناً مزدهراً للقاء الثقافي والفكري في وسط الثمانينات من القرن الماضي عُقدت ندوة فكرية كان من بين من حضرها صديق أعرفه من أيام الدراسة في بريطانيا ممن يُعرفون بعرب إسرائيل، جلس الى جانبي مرحباً لأننا لم نلتقِ منذ فترة. سألته مازحاً هل تعلمتم شيئاً من الإسرائيلي؟ أجابني بخفة دم حسدته عليها: "لقد تعلموا منا!". واضح أن الإسرائيليين تعلموا من بعض ما تعلموا من العرب، حب كراسي السلطة، فها هو بنيامين نتنياهو يتمسك بكرسي رئيس الوزراء ويقوم بكل المناورات المتاحة، وحتى غير المتاحة، من أجل أن يبقى في السلطة، وفي التموضع المقابل تتحالف قوى سياسية إسرائيلية ليس بينها رابط سياسي أو فكري من أي نوع. فقط من أجل إطاحة نتنياهو من كرسيه الذي جلس عليه لأكثر من عقد من السنين.

المعنى أن المعركة شخصانية وليست سياسية، في الوقت نفسه يدخل في التحالف حزب عربي إسلامي من عرب الداخل، فتندفع أصوات فلسطينية داخلية وحتى عربية (قريبة الى السذاجة) ترفض ذلك التحالف، وتستخدم الألفاظ القوية نفسها في توصيف الفعل، بأن هذا الحزب ورئيسه (انبطاحيان) من بين توصيفات أشد، مذكرين بأقسى التعبيرات التي تنتشر في الثقافة السياسية العربية. وبدا البعض يعيب على الحزب الإسلامي ويذكر إخوانه في تيارات الإسلام السياسي العربي بأنه خانهم! هذا الموقف يصيب المراقب بالهشة، فالافتراض أن (الإسلام السياسي) يتعامل على قاعدة أن (الوسيلة جزء من الغاية) هو نوع من الوعي الكاذب انساق خلفه البعض، فأهداف الإسلام السياسي الثابتة في كل مكان هي (سياسية) في المقام الأول والأخير وما الشعار إلا وسيلة لتجنيد السذج، وهذه الجماعات تلعب متى ما توفرت لها الفرص (بطريقة متلونة) كما يحلو لها (محللة ومحرمة) قياساً الى مصالحها، والتي تنسجم مع مصالح قادتها، والتفكير المخالف لهذه القاعدة يعني أن البعض، بعد كل هذه التجارب، لم تصل اليه الرسالة الواضحة اليوم وهي واضحة في كل من اليمن ولينان وإيران وتركيا وتونس، وكانت واضحة في مصر والسودان، إنه تلون للمناسبة وليس شذوذاً عن قاعدة.

على مقلب آخر يبدو أن التقاليد التي جلبها المستوطنون الإسرائيليون منذ سبعين سنة من الغرب في بناء شيء يشبه المجتمعات التي غادروها في ترتيب آليات ديموقراطية للحكم تراجعت بحكم التجاوز والتجاور في المنطقة وبدأوا ينسون او على الأقل يتجاهلون تلكم القواعد، واكتسبوا ثقافة سياسية من جيرانهم العرب في الحط من فكرة التداول الديموقراطي للسلطة مما اوقعهم في أزمة تشرذم خانقة سلاحها (المزايدة).

الغالبية في الكتلة السياسية الإسرائيلية هي (كتلة خائفة) من المحيط حولها ومن بعضها بعضاً، ويُغذي هذا الخوف مصالح النخب المستفيدة. ربما الخوف قادم من ما واجه اليهود في أوروبا، بخاصة في ألمانيا، الى درجة أن بعض المؤرخين الإسرائيليين يتهكمون بالقول (أن الإسرائيلي الذي ليس له جد أو جدة قتلا في الهولوكوست عليه أن يخترع ذلك الجد أو الجدة)! هذا الخوف الأزلي انتج نقيضه، من خلال تبني سياسات فاشية بدأت تتلاشى مثيلاتها في العالم، ولكنها تفرز أسوأ سلوك سياسي يطاول، ليس الفلسطينيين في الجوار، بل المواطنين في إسرائيل من العرب الذين أمامهم أيام عصيبة قادمة جراء انضمامهم للحراك الفلسطيني الأخير، فالاختلاف السياسي في إسرائيل اليوم لا يجب أن يفسر إلا بما هو قائم، هو خلاف وصراع على مناصب ومكاسب، ولكنه في أغلبه موحد ضد الجار والمواطن الفلسطيني، ولعل تصريح المكلف رئاسة الوزارة المحتملة يائير لبيد الذي قال فيه إنه سوف يقوم بالهجوم على غزة وجنوب لبنان إن اقتضى الأمر، فيه وضوح للاتفاق على الثوابت وتطمين للغالبية الخائفة وتغذية مستمرة بالخوف يومياً من الآخر.

المشكلة ليست في الحريق. المشكلة في الصراخ من جانب العرب والفلسطينيين بخاصة، فغياب استراتيجية مضادة فيما تظهر سلسلة من ردود الفعل وتوزيع الوهم بالانتصار واختصار المطالب على هوامش القضية لا صلبها، يجعل الفرص تضيع وتغلق النوافذ التي فتحت وربما تفتح أكثر في المستقبل. ليس جديداً القول إن الرأى العام العالمي يتغير، بل ذهب أحد المطلعين من المراقبين الأميركيين وهو يهودي له معرفة واسعة بالموضوع، توماس فردمان، الى القول في لقاء متلفز إنه ربما يكون السيد (جو بايدن) آخر رئيس ديموقراطي متعاطف مع إسرائيل!، ربما يكون ذلك التصريح مبالغاً فيه! ويقصد حث المعتدلين الإسرائيليين على تقديم تنازلات بشكل ما، إلا أنه مؤشر يتوجب فهمه. اللعبة السياسية هنا لا تحتاج الى صراخ ولا الى مزايدة، كما هو حاصل من بعض القوى الفلسطينية، تحتاج الى رؤية وعقل استراتيجي يفهم المتغيرات ويتعامل معها من خلال قراءة واقعية للأحداث والمتغيرات، لأن التعويل على (صراع الداخل الإسرائيلي) هو تعويل على سراب، فالمأزوم لا يستطيع أن يقدم حلولاً.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.