.
.
.
.

الفلسطيني الأخير

مهدي مصطفى

نشر في: آخر تحديث:

مفردة «فلسطين» عاشت كجمرة متقدة تحت رماد الأحداث الدامية، ولو أن مؤسسة دولية متخصصة، كرست نفسها لإحصاء كلمة «فلسطين» فى وسائل الإعلام العالمية، على مدى أكثر من قرن، لاكتشفت أنها المفردة الأكثر رواجًا فى كل اللغات، فلا تخلو منها وسيلة إعلامية، مرئية أو منطوقة أو مكتوبة.

أما فى الشعر والقصة والرواية والدراسات الفكرية والسياسية، وقرارات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، فبحر لا ينضب، وأى شاعر مبتدئ أو قاص جديد أو روائى يجرب الحظ، يتمحك بها، فيضمن تصفيق الجماهير، وقبوله كاتبا معتمدا فى جامعة الأوساط الثقافية!
مفردة فلسطين، حملت أثقالا أكبر من طاقتها، وحملها الفلسطينى طائعا أو راغبا أو مجبراً، فحمّل نفسه أكثر مما يحتمل.

مفردة جعلت من محمود درويش شاعرها الأول، وحفظت سميح القاسم فى أراضى ال 48 منتصب القامة يمشي، وسارت بفدوى طوقان فى الطرق الجبلية الصعبة، وحملت إدوارد سعيد إلى خارج المكان ليرى عن قرب شواطئ الأطلنطي، وفى بغداد جعلت جبرا إبراهيم جبرا يشرب من البئر الأولى وحدها، ونادت من بعيد على إميل حبيبى، ساخرا من أن شجرة زيتون أطول عمرا من أسلاف المحتلين، ويتذكرها غسان كنفانى كبريد يصل إلى عناوين الأحبة فى شمس الظهيرة.

حرب جديدة تشتعل، وتتوقف بتدخلات دولية، يأخذ المتحاربون استراحة قصيرة، ثم يستأنف الموت، تعلو الحناجر بالصياح، تتحرك قوى إقليمية مجاورة للعرب فى الإذاعات ووسائل الإعلام، تناضل بالميكروفونات، ثم ترتاح بعد أداء واجب الحناجر، وحده الفلسطيني، إما يكون شهيدا أو جريحا، يتيما أو شريدا، وهكذا تدور سواقى الدم دون توقف.

حالة إدمان دموية، ولا أحد يعلق الجرس فى رقبة القط.

جاءت حرب 8 مايو الأخيرة، كحرب تلد أخرى، هكذا قرر المخططون المعتادون، لكنها لم تكن كذلك هذه المرة، فبعيدا عن تغير سلوك الإعلام الغربى عن الضحايا الفلسطينيين، ونشر صور الأطفال الشهداء تحت القصف الإسرائيلى فى كبرى الصحف الغربية للمرة الأولى، فإن الفلسطينى وجد نفسه وحيدا وإنسانا أخيرا، وحيدا من ناحية الصمود أمام أكبر قاعدة عسكرية غربية المنشأ، وإنسانا أخيرا من حيث إنه فى الميدان يقاتل دون أن ينتظر حلفاء موهومين، كانوا بمثابة شرك دائم وتاريخي، كأنه تذكر الحكمة القائلة: ما حك جلدك مثل ظفرك.

إذن، هو الفلسطيني الأخير، ومنذ ثلاثة أعوام كتبت عن ذلك الفلسطينى الجديد الذى يجب أن يكون، وإذا لم يوجد فعليه أن يجد نفسه أو يولد من الرماد كالعنقاء، فهو آخر الواقعين تحت الاحتلال فى الدنيا الجديدة، وهو آخر المشردين فى نظام الحرب العالمية الثانية.

والفلسطينى الأخير، يدرك الآن أن البحر من أمامه والعدو من ورائه، ولا سبيل له سوى استجماع القوة بالوحدة الحقيقية، حول مركز واحد، يقوم بتحرير الذات من أخطاء وخطايا الماضي، والفرصة سانحة لفلسطينى جديد وأخير.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.