.
.
.
.

وحيد حامد والجوع الكافر

خالد منتصر

نشر في: آخر تحديث:

«انت لسه ما اتفرجتش على مسلسل بدون ذكر أسماء يا خالد، المسلسل ده أفضل مسلسل كتبته»، تكررت تلك الجملة من الأستاذ الفنان الجميل وحيد حامد كلما قابلنى، قالها لى فى نبرة عتاب وحب ونحن فى مطار القاهرة ننتظر رحلة أمستردام، حيث اقتربت منه هناك عدة أيام كانت من أجمل الأيام فى حياتى.

عرفت أخيراً سر هذا الإلحاح من الراحل الجميل وحيد حامد عندما شاهدت المسلسل على اليوتيوب، إنه بالفعل أفضل مسلسلاته، عمل عبقرى، منسوج بحرفية عالية وصدق شديد، بقلم مفكر وفيلسوف يجيد فن الحكى والدراما، ما زلت فى الحلقة الثانية والعشرين، لكنى مشدود بمغناطيس خفى، منجذب للتفاصيل والإيقاع والمهارة فى الإمساك بكل الخيوط وكأنه الساحر والمروض.

المسلسل يرصد صعود السلفية فى زمن مبارك وتمكنها من عقل مصر ووجدانها، وتوحش رجال الأعمال وفساد الطبقة المخملية، وكيف أن الفقر هو أكبر المجرمين والإرهابيين ومصدر كل الخطايا والموبقات، هو من يجعل ابن حلاق الحمير زعيم مافيا يمص دم الناس، ويجعل بيع الجسد خطأ تافهاً بجانب بيع الضمير.

المسلسل فيه تفاصيل كثيرة تحتاج إلى صفحات وصفحات لكتابتها، لكنى سأرصد لقطة تدل على عبقرية وحيد حامد، الذى يزرع الكوميديا فى هذا المسلسل القاتم بمشهد هو قمة السخرية التى تنتهى بطعم ملح الدمع، لقطة ليت كتاب الكوميديا يتعلمون منها ما هى الكوميديا، عاطف بطل المسلسل ابن الحلوانى يذهب إلى أحد الاستوديوهات لالتقاط بعض الصور الفوتوغرافية التى يبيعها للمجلات، المسلسل الذى يتم تصويره هو مسلسل دينى، والمشهد يجمع المؤمنين والكفار وفى المنتصف يجلس «أبوجهل» أمام وليمة ومعه الكفار، يعطى المخرج الإشارة بالتصوير، تدور الكاميرا ثم يصرخ المخرج ستوب، ويشير إلى أحد الكومبارس، «انت قاعد هنا ليه؟، انت مكانك مع المؤمنين»، يتوسل إليه الكومبارس وهو يبكى «أرجوك سايق عليك النبى خلينى مع الكفار، أنا عايز أبقى كافر»!!، يحاول مساعد المخرج إقناعه بأن ملامح وجهه لا تصلح إلا لأن يكون من المؤمنين، فيقنعه الكومبارس بأنه بمجرد أن يرتدى جلابية الكفار السوداء سيقتنع المخرج، أخيراً يسمح له المخرج بأن يكون من ضمن الكفار، تدور الكاميرا فينقض الكومبارس على فخدة اللحم الموضوعة على مائدة أبوجهل ويلتهمها كما يلتهم الأسد فريسته، ينسى الحوار ولا يستطيع أن يردد حرفاً من الجملة اليتيمة التى سيقولها فى الفيلم، فالفم مزدحم والمعدة مخدرة والحموضة وصلت إلى الذروة، يعرف عاطف منه أن هذه الوليمة مع الكفار كانت حلم حياة هذا الكومبارس الجائع البائس، هذه هى عبقرية وحيد حامد، فيلسوف شعبى يعمل كسيناريست، ليس ترزياً على مقاس باترونات النجوم، كيف يفجر الكوميديا من داخل الألم، كيف لخص لنا درامياً عبارة الجوع كافر؟، كيف جعلنا نبكى مع الكومبارس بعد أن ضبطنا أنفسنا متلبسين بالضحك عليه؟، اكتشفنا أننا نحن أيضاً كومبارس فى تلك الغابة الوحشية الموحشة، بشر على الهامش، إذا كان أقصى حلم هذا البائس هو أن يسد رمق جوعه مع وليمة الكفار، فأقصى حلمنا هو أن نسد ثغرة اليأس وأن نستكمل العيش تحت السقف المثقوب المسوس، وأهى عيشة تصبح هى النشيد القومى لملايين الكومبارس على خشبة مسرح الحياة وشاشة الواقع، الله يرحمك يا وحيد وأعتذر لك عن تأخرى فى مشاهدة بدون ذكر أسماء بعد أن غادرت عالمنا المزيف.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.