.
.
.
.

الإحساس بالخطأ

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

"الإحساس بالخطأ والتألّم لفعله"، وهو الشعور المكتسب من تربية الوالدين أولاً، ثم من المدرسة ومن المسجد ومن الجليس ومن المجتمع، حتى يصبح "التألّم لفعل الخطأ" غريزة يصعب على الحوادث والعوارض تجاوزها ومخالفتها..

"خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" هذه كانت فتوى من رسول الله لامرأة جاءت تشكو من بخل زوجها، وأنه لا ينفق عليها وبنيها إلا ما أخذته من ماله دون علمه، فقال لها النبي: "خذي من ماله.. الحديث" ولم يستفصل النبي عن نفقتها وما يكفيها، ولم يقدر لها قدرًا من مال زوجها، وهذا التقدير من رسول الله مبني على علمه بحال المرأة، ووقوفها عند القدر الذي تعلم كفايته يقينًا، دون أن تتخذ هذه الرخصة مسوغًا لتجاوز الحاجة والكفاية إلى الإضرار بمال الزوج، فكان التقدير هنا هو الكفاية، والكفاية يحددها صاحب الشأن، ولذلك فمن الخطأ فقهيًا أن يقاس على هذه الحادثة كل الحوادث دون النظر إلى اكتمال "مناطات تنزيل الفتوى" بما يُؤمَنُ معه على "حُرمة مال الزوج"، فالزوجة التي لا ترى عليها أمارات الأمانة والتقوى، وربما ظهرت منها كثرة الخصومات، لا تحدث بنفس الخطاب، ولا يفتح لها باب الرخصة، فالذي يكفيها من مال زوجها لا ضابط له، إذ إن التقوى هي ضابط التقدير لما يكفي عرفًا، ومهما وجدت التقديرات والضوابط في كتب الفقه فإنما هي قياسات فقهية، يبنيها أصحابها على الأحوال والأزمنة التي عاصروها، كما هو الحال في قول الله في كفارة اليمين: {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم}. ستجد في كتب الفقه التقديرات، كلٌّ يقدر بحسب ضوابط وأصول مذهبه، واعتمادًا على آثار وقياسات لا يستقيم العمل بها في كل زمان ومكان، فما ترك الشرع ضابط تقديره لصاحب "الواقعة" فتبقى تقوى الله هي الأساس في التقدير، فإن المسلم تارة يوسع على أهله في إطعامهم على غير عادته، وتارة تأتي عليه ظروف تجعله يقتصر على الشيء اليسير القليل، ولكن المعتاد لا هذا ولا ذاك، فهذا المعتاد هو القدر المطلوب في الإطعام، وقد تأمر النفس صاحبها بما هو دون ذلك ولا تلاحظ الأعين هذا التقصير، فهنا تأتي "تقوى الله" لتأمر وتذكر وتقدّر بما يكون امتثالاً للآية.

ومن هذا الباب ما جاء في حديث النبي: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" فالأب أو الأم، يستطيع أن يفاضل ويميز بين أولاده بما لا يلحظه أحد منهم، وربما عكس الأمر تمامًا، فيظهر لهم أن المفضل هو المفضول، وتبقى تقوى الله هي المرجع الذي يصدر عنه كل أفعال الناس في كل الأمور والأحوال التي أرجع الشرع تقديرها إلى "نظر المكلّف" وهذا ما يسميه كثير من الناس بلغة أخرى "الضمير" إن صح التعبير، فكم هي الأعمال والمواقف، وكم هي القضايا والنوازل التي يكون ظاهرها مخالفًا ومجانبًا لحقيقة الأمر، وكم مظلومٍ لم يستطع انتزاع حقه لخفائه وظهور نقيضه، فالحياة عمومًا لا تستقيم مهما دقّت القوانين وانضبطت الفقهيات، فسيبقى هناك شيء مفقود من بين صفحات الكتب والتقديرات، ذلك الشيء هو "الإحساس بالخطأ والتألم لفعله" وهو الشعور المكتسب من تربية الوالدين أولاً، ثم من المدرسة ومن المسجد ومن الجليس ومن المجتمع، حتى يصبح "التألم لفعل الخطأ" غريزة يصعب على الحوادث والعوارض تجاوزها ومخالفتها.

وفي شريعتنا السمحة كثيرًا ما يكون "اليمين" هو الفاصل في كثير من الأحكام، واليمين قائم على قناعة المتخاصمين بأن تعظيم الله صفة في النفوس يعظم التكلم والنطق بما يثلمها، وما زالت هذه الخصال موجودة ولله الحمد بين المسلمين، لكن هناك شيء بالمقابل كان في العصور الأولى يوازي الحلف ولا يضطر الناس لليمين إلا نادرًا، ذلك الشيء هو "تقوى الله وصدق الكلمة" فقد كانت هي المعتمد في تعاملات الناس وأحوالهم، وهي المرجع في كثير من إشكاليات المجتمع.

نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.