.
.
.
.

النداء الأخير في أزمة سد النهضة

علي محمود

نشر في: آخر تحديث:

بما أن المفاوضات فشلت والاتصالات توقفت والنوايا الإثيوبية تكشفت فكان لا بد لمصر أن توجه ما يمكن وصفه بالنداء الأخير للمجتمع الدولي لتحمل مسئولياته تجاه أزمة سد النهضة التي أرادتها أديس أبابا بلا حل ولا تفاوض ودون تنسيق.. تمادت في التعنت، وتبارت في التحدي، ضاربة بكل المواثيق والاتفاقيات عرض الحائط وأعلنت وأكدت إعلانها أنها ماضية في ملء وتشغيل السد دون اتفاق ولا تنسيق حتى ولو كان الملء سيضر بمصر والسودان..

الحقيقة الدقيقة أن إثيوبيا عقدت العزم على القيام بعدوان على مصر والسودان؛ لذا جاء خطاب مصر إلى رئيس مجلس الأمن الدولي حاملا رسالة مصرية واضحة لا لبس فيها ولا غموض تسجل رسميًا رفض مصر تحرك إثيوبيا نحو الملء الثاني للسد دون اتفاق، وكذلك رفض مصر التام للنهج الإثيوبي القائم على السعي لفرض الأمر الواقع على دولتي المصب من خلال إجراءات وخطوات أحادية تعد بمثابة مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي واجبة التطبيق.

ولم تكتفِ الدبلوماسية المصرية، بذلك بل قامت بإيداع ملف متكامل لدى مجلس الأمن حول قضية سد النهضة ورؤية مصر إزاءها، وذلك ليكون بمثابة مرجع للمجتمع الدولي حول هذا الموضوع ولتوثيق المواقف البناءة والمسئولة التي اتخذتها مصر على مدار عقد كامل من المفاوضات ولإبراز مساعيها الخالصة للتوصل لاتفاق يراعي مصالح الدول الثلاث ويحفظ حقوقها.

بالتوازي مع هذا المسار الدولي في تحرك مصر يأتي المسار العربي؛ حيث دعت مصر والسودان إلى اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب يوم الثلاثاء المقبل؛ لبحث أزمة سد النهضة؛ وذلك لاتخاذ موقف عربي واضح وحاسم لمواجهة التداعيات المترتبة على هذه الأزمة وفشل حلها سلميًا،على أمن القرن الإفريقي والعربي.

ويقينًا أن مصر تسعى ما بين المسارين العربي والدولي إلى نزع فتيل أزمة أصبحت تهدد الأمن القومي المصري والعربي؛ كونها قضية وجودية لمصر، وأكدت مرارًا وتكرارًا أنها لن تقبل بأن تقوم إثيوبيا بفرض الأمر الواقع والإضرار بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل.

وبرغم الحسابات الدولية المعقدة في مجلس الأمن تجاه هذه الأزمة خاصة وغيرها من أزمات عامة؛ حيث تحكمها حسابات ومصالح الدول الأعضاء، إلا أن مصر حين تتحرك إلى مجلس الأمن تطالبه بالتدخل العاجل لحل أزمة تهدد الأمن والسلم الدوليين، فإنها تقيم الحجة أمام العالم وستنفد ما تبقى لها من أدوات وآليات توفرها المواثيق الدولية في التعامل مع هذه الأزمة بعد عقد من المفاوضات التى لم تفضِ إلى نتيجة، وربما يتفهم أعضاء مجلس الأمن خطورة الوضع، ويتخلى بعض أصحاب المصالح عن انحيازاتهم الجائرة ونفاجأ بتدخل دولي أمين وعادل يجبر إثيوبيا على التخلي عن تعنتها، والتراجع عن عدوانها، والعودة إلى طاولة المفاوضات للاتفاق على قواعد عادلة في ملء وتشغيل هذا السد تضمن لها التنمية وللشعبين المصري والسوداني الحياة.

وفي تقديري أن الاجتماع الوزاري العربي الذي سيعقد الثلاثاء يكتسب أهمية كبيرة في توقيته، إذ إن موقفًا قويًا من الدول العربية في هذه يمكنه أن يدعم التحرك الدولي المطلوب لإثناء إثيوبيا وإجبارها على العودة للمفاوضات.

المؤكد أن قضية مصر عادلة وحقوقها التاريخية في مياه النيل خط أحمر، وبالتالي لن تنجح إثيوبيا في تحقيق أهدفها في فرض الأمر الواقع ونسف الاتفاقيات التاريخية، وتلك الحقيقة التى يجب أن تصل إلى كل مواطن، ولدينا قيادة نثق في كل خطواتها وتحركاتها في هذه الأزمة، وبالتالي فإن بعض الذين يزايدون على موقف الدولة عليهم التوقف عن بث الشائعات وتشكيك المواطنين، ربما يكون الخوف على النيل له مبرره، والقلق له دوافعه وأسبابه، إلا أن الأمور السيادية في الدولة لها قياداتها، الذين هم أعلم منا، ولديهم كل البيانات والمعلومات ما ظهر منها وما بطن، وبالتالي لهم حساباتهم وتقديراتهم، وعلينا جميعًا أن نصطف خلفهم في هذه الظروف التي تتطلب كل تحرك وطني مسئول ونترك لهم القرار بعيدًا عن المزايدات والإملاءات .

*نقلا عن الأهرام

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.