.
.
.
.

رحلة بايدن!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

لا يمكن التنبؤ بمعرفة ما سوف يدور اليوم فى ذهن ملكة بريطانيا وشمال أيرلندا إليزابيث الثانية، عندما تلتقى فى قصر «وندسور» مع الرئيس الأمريكى جوزيف بايدن على غذاء أو ربما على فنجان من الشاى. المواقع الإلكترونية على أية حال سوف تحكى ما حدث بالتفصيل، أما صحف الغد فسوف تتولى الأمر بالتعليق. وليس مستبعدا أن يدور فى ذهن الملكة العتيدة شريط سريع بكل الرؤساء الأمريكيين الذين التقت بهم على مدى سبعين عاما سوف تشعر بعدها بكثير من الرضا. لقاء اليوم سوف يكون سببا فى كثير من الارتياح لأن مقدم رئيس الولايات المتحدة إلى لندن فى أول رحلة خارجية له كرئيس خارج واشنطن، ومع زوجته الأكاديمية جيل بايدن، هو تناقض سار للغاية مع اللقاء السخيف مع الرئيس السابق دونالد ترامب وزوجته عارضة الأزياء. اللقاء الجديد سوف يعيد العلاقات البريطانية الأمريكية إلى أيامها الطيبة الأولى، عندما كان التحالف الأطلنطى بين «الأنجلو ساكسون» على جانبى المحيط هو حجر الزاوية فى التحالف الغربى المنتصر فى الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة على السواء. صحيح أن الرئيس يأتى بعد أن خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبى من خلال ما سمى «بريكسيت»، وفقدت مقعدا قياديا فى أوروبا؛ إلا أن ذلك ربما لن يكون نهاية العالم طالما سوف تبقى أمريكا مرتبطة بحلفائها عبر المحيط الأطلنطى. الواقع هو أن ذلك هو ما تنتويه تماما رحلة بايدن الأولى، وهو أن تعيد إلى الحياة التحالف الغربى من خلال ثلاثة اجتماعات متوالية: اجتماع مجموعة الدول السبع، واجتماع قادة دول الاتحاد الأوروبى، واجتماع دول حلف الأطلنطى، وثلاثتهم يمثلون ما يسمى باسم التحالف الغربى. وفى خطوة غير تقليدية نشر الرئيس الأمريكى قبل الرحلة مقالا فى صحيفة «الواشنطن بوست» حدد فيه أهدافه من الرحلة، وأولها إعادة الولايات المتحدة إلى مقعد القيادة للديمقراطيات الغربية؛ وثانيها التعامل مع القضايا الكونية بدءا من أزمة كوفيد- ١٩ إلى التغيرات المناخية إلى قضايا التجارة والتكنولوجيا؛ وثالثها مواجهة التحديات الصينية والروسية سواء كان لها صلة بالحرب التجارية أو الحروب السيبرانية.

مقالات متعلقة

المحتوى أيها السادة!

الحكومة الإسرائيلية الجديدة

خمسة أخبار فى «المصرى اليوم»

المرجح أن بايدن يعرف ما هو مقبل عليه، ليس فقط بسبب خبرته الكبيرة، وإنما لأنه خلال الشهور الماضية فى السلطة عرف مذاق الكثير من التغييرات التى جرت فى العالم خلال السنوات الأربع الماضية. فى ٢٠ مارس الماضى عندما اجتمع فى «أنكوراج» بولاية ألاسكا، أنتونى بيلنكن وزير خارجيته مع «يانج جييشى» وزير الخارجية الصينى وكيف أن هذا الأخير لم يتقبل كثيرا المحاضرات عن «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان». خرجت الولايات المتحدة من التجربة القريبة بكثير من الأحداث والوقائع التى تفصح عن أن الديمقراطية أحيانا تهدد الوحدة الوطنية للدولة حينما تنقسم على كل شىء، من أول اللون وحتى مدى شرعية الهجوم على «الكونجرس». الديمقراطية بالتأكيد لم تكن مصدرا للتفوق الأمريكى يشفع لها للبقاء عشرين عاما فى أفغانستان، ثم تخرج منها بينما «طالبان» تستعد للعودة إلى «كابول». لم تكن هناك حلول سحرية لحل مشكلات العالم، وبناء الأمم، وتحقيق الرخاء وتحدى القدر. أوروبا وأعضاء حلف الأطلنطى تغيروا ولم يعودوا الحلفاء التقليديين الذين عرفهم بايدن وجيله من الساسة. لعنة ترامب حلت بأوروبا وتركتها وقد خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، ووضعت قادة مثله فى قيادة دول؛ وعندما تخرج أنجيلا ميركل قريبا من القيادة الألمانية فإن المعارضة المحافظة للغاية سوف تجد سبيلا إلى الحكم. تواضع عصر الاعتدال والتسامح، ولم يبق فى الذاكرة الأوروبية إلا أمريكا التى تريد مغادرتها، والهجرة القادمة من الجنوب، والإرهاب الذى لم يترك مدينة إلا ووضعها فى خوف.

هذا التغيير لدى الحلفاء سوف يجعل التوازن الأمريكى مع روسيا والصين مختلا؛ وعندما سوف يلتقى بايدن مع بوتين فى نهاية الرحلة فإن الممكن فقط سوف يكون العودة مرة أخرى إلى مرحلة من «الوفاق» الذى جرى فى النصف الأول من السبعينيات فى القرن الماضى، والقائم على إدارة العلاقات والتناقضات والسياسات العدائية بالطريقة التى تسمح ببقاء الباب مفتوحا للنقاش والمفاوضات والمباحثات. مع الصين فهى ليست بالضرورة إدارة العداء وإنما هى إدارة التنافس، فقبل وبعد كل شىء فإن الاعتماد المتبادل بين الطرفين يسبب فضه ضررا بالغا لكليهما. وفى كل الأحوال فهناك مساحة معقولة من المصالح المشتركة فى الحد من التسلح ومقاومة الأمراض والحفاظ على سلامة الكوكب من التغيرات المناخية، ووضع قواعد للجميع فى استخدام أدوات الحرب السيبرانية للتدخل فى الشؤون الداخلية للدول الأخرى، بما فيها تقييم الديمقراطية وحقوق الإنسان!.

*نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.