.
.
.
.

ما صحة خضوع حاكم "مصرف لبنان" للتحقيق أمام المحاكم الأوروبية؟

سوسن مهنا

نشر في: آخر تحديث:

منذ بداية الأزمة الاقتصادية اللبنانية "غير المسبوقة" والتي وصفت بأنها من الأسوأ في العالم منذ منتصف القرن الـ 19 بحسب "البنك الدولي"، أشارت أصابع الرأي العام اللبناني إلى سلامة وغيره من المسؤولين في الدولة، بنقل مبالغ مالية هائلة بشكل سري إلى الخارج بالتزامن مع انتفاضة 17 أكتوبر، وذلك على الرغم من القيود التي وضعتها المصارف اللبنانية على أموال المودعين. ونقلت "وكالة الأنباء الفرنسية" أن القضاء الفرنسي، بعد نظيره السويسري، ينظر في ملف الثروة التي يملكها رياض سلامة في أوروبا، وذلك بعد أسبوعين من تلقيها شكويين تستهدفان حاكم "مصرف لبنان" وأوساطه. وفتحت "النيابة العامة المالية الوطنية" في فرنسا، والتي تتبع حسب هرمية عمل النيابات العامة، لقصر الإليزيه. ويأتي التحقيق في القضية بناء على اتهامات بـ "التآمر الجنائي" و"تبييض أموال في عصابة منظمة". إذ كان ماكرون وصف عقب فشل المبادرة التي أطلقها إبان تفجير مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) 2020، ما حدث بـ "الخيانة الجماعية"، وقال "أشعر بالخجل من المسؤولين اللبنانيين الذين خانوا التزاماتهم نحو فرنسا والأسرة الدولية. السلطات اللبنانية ترتكب خيانة جماعية. سلوك المسؤولين جعل لبنان رهينة التحالف بين الفساد والإرهاب".
وتضيف المصادر ذاتها أن سلامة هو الشخصية العربية الثانية بعد رفعت الأسد (شقيق الرئيس السوري السابق حافظ الأسد)، الذي تتم محاكمته من قبل ذات الجهة المدعية الفرنسية والتي تُعد أكبر مرجع فرنسي ينظر في تهم الفساد وتبييض الأموال. ونال رفعت الأسد في شهر يونيو (حزيران) 2020، حكماً بالسجن أربع سنوات بعد إدانته بشراء عقارات تبلغ قيمتها 90 مليون يورو، حصل عليها عبر غسيل الأموال والاختلاس من الخزينة السورية. وكانت صحيفتا "لوفيغارو" و"لوموند" الفرنسيتين خصصتا صفحة كاملة لاتهامات الفساد التي قد تواجه حاكم مصرف لبنان. وقالت "لوموند" إن سلامة "من أكثر الرجال نفوذاً في لبنان. كان يتمتع بشعبية كبيرة بسبب اعتماده سياسة التكافؤ بين الليرة اللبنانية والدولار التي سمحت للبنانيين بالتمتع بمستوى معيشي غير متوقع منذ تسعينيات القرن الماضي، لكنه بات يُعتبر اليوم من المسؤولين عن إفلاس الدولة وانهيار العملة الوطنية التي فقدت 90 في المئة من قيمتها ما أفقر أكثر من نصف اللبنانيين".

ثروة تتجاوز الملياري دولار

وروت "لوموند" أن الشكوى التي تقدمت بها منظمة "شيربا" و"جمعية ضحايا الممارسات الاحتيالية والجرمية في لبنان" تتناول الأصول المشبوهة لثروة سلامة التي تجاوزت الملياري دولار. ويُذكر أن "شيربا" هي منظمة غير حكومية تدافع عن ضحايا الجرائم الاقتصادية، أما "جمعية ضحايا الممارسات الاحتيالية والجرمية في لبنان" فأنشأها مودعون خسروا أموالهم خلال الأزمة التي يشهدها لبنان منذ عام 2019. وتفيد الشكوى بأن "الثروة العالمية لرياض سلامة تتخطى حالياً الملياري دولار"، وأن "قيمة الأصول التي يملكها في لوكسمبورغ بلغت 94 مليون دولار عام 2018". وسبق أن فُتح تحقيق بحق سلامة وشقيقه رجا ومساعدته ماريان حويك في سويسرا. وكان حاكم المركزي دافع عن نفسه بالقول إن أمواله كلها مصرح بها وقانونية، وأنه جمع ثروته مما ورثه وعبر مسيرته المهنية في القطاع المالي. وأوضح سلامة أن أصوله الشخصية كانت تبلغ 23 مليون دولار حين تسلم منصبه عام 1993، وأن زيادة ثروته مذاك، ناجمة عن استثمارات لا تتعارض مع الالتزامات المرتبطة بمهمات وظيفته، وهو ما ينفيه خبراء قانونيون لبنانيون، بحسب صحيفة "لوموند" الفرنسية.

وكان المحامي بيار- أوليفييه سور، وكيل سلامة، أعلن في بيان 6 يونيو الحالي أن التحقيق الذي بدأته فرنسا حول ثروة حاكم مصرف لبنان، هو عملية "إعلامية وسياسية". ويضيف سور أن التحقيق بدأ عقب شكويين من منظمة المجتمع المدني الفرنسية "شيربا" و"جمعية ضحايا الممارسات الاحتيالية والجرمية في لبنان"، اللتين قال عنهما إن "مصالحهما المباشرة وغير المباشرة في لبنان تبقى مجهولة". وقال إنه لا توجد أي دلائل قاطعة تثبت صحة الاتهامات أو تؤكدها، مضيفاً أن "المصطلحات التي وردت في القرار الفرنسي تعكس مبالغات كثيرة، ما يظهر مدى التلاعب".
إلى أين ستصل الاتهامات بالفساد التي طالت حاكم مصرف لبنان وما هو تأثيرها على الداخل اللبناني؟ وهل ستتحرك الدولة اللبنانية، المعنية الأولى في هذا الملف، ولما لم تتحرك حتى اليوم؟ وماذا يعني أن يكون "حاكم المركزي" متهم بتشكيل عصابة من الفاسدين، حسب تعبير "لوفيغارو" الفرنسية، وهو المكلف بالدفاع عن العملة الوطنية والمتهم بتحمل مسؤولية في إفلاس الدولة؟ في هذه الحالة، إلى أين تتجه الأمور المالية وهل من الممكن إقالة سلامة؟ وهل يمكن أن يُفرض التدقيق الجنائي المالي على لبنان من قبل المحاكم الأوروبية؟ وهل ما مدى دقة أن ماكرون قد يكون وراء تحريك ملف سلامة؟

وضع الحاكم "بالتصرف"

في هذا الإطار، قال القانوني والباحث في الشأن الفرنسي تمّام نور الدين، المقيم في فرنسا، إنه "يُفترض بأي دولة تحترم نفسها عندما تُتهم إحدى شخصياتها في مركز عام في البلد أو بلد آخر، أن يوضع بالتصرف حتى انتهاء التحقيق وتثبت براءته من عدمها". وأضاف أن هناك تهمتان بحق سلامة هما "تبييض الأموال ضمن عصابة منظمة، وتأليف عصابة أشرار، حيث يُعتبر موضوع تبييض الأموال ضمن عصابة منظمة، عنصر تشديد للعقوبة".
وعن إثارة الإعلام الفرنسي للموضوع رأى نور الدين أن "الإعلام الفرنسي يستقي معلوماته من مصادر موثوقة كما أنه لا يدخل في زواريب السياسة اللبنانية المحلية، وهذه المعلومات تأتي على شكل تسريبات مقصودة، واستعملت الصحف تعبير "Mega Enquete"، أي تحقيق ضخم على المستوى الأوروبي. كما جاء أنها أكبر قضية مالية من حيث الضخامة وضع القضاء الفرنسي يده عليها، وستنكشف المافيا التي ركّعت الشعب اللبناني بحسب تعبير الذي جاء في صحيفة "Le Point" نقلاً عن مصدر قضائي".

طريقة عمل النيابات العامة الفرنسية

وشرح نور الدين طريقة عمل النيابات العامة في فرنسا، ومدى ارتباطها بقصر الإليزيه، فقال إنه "في موضوع رياض سلامة تحركت النيابة العامة بناءً لدعوى منظمة "شيربا" و"جمعية ضحايا الممارسات الاحتيالية والجرمية في لبنان. والقضاة نوعان، نوع يسمى قضاة الحكم، والنوع الآخر هم قضاة النيابات العامة.

وفي ما خص قضاة النيابة العامة، هناك رؤساء ومرؤوسين يتصرفون بحسب التعليمات، أما قضاة الحكم وقضاة التحقيق "Juges de Siege" الذين تصدر عنهم القرارت والأحكام، فأحكامهم مستقلة، ولا يُساءلوا في أعمالهم. وهذا يعني أن قضاة النيابة العامة يتبعون للسلطة التنفيذية أي الحكومة الفرنسية، ومن الممكن أن يتدخل الإليزيه في عملهم، إذ إنه هو من يعيّن المدعين العامين، علماً أنه في القانون لا مانع لهكذا تدخل، ولكن مع ذلك هناك محاكمات لرؤوساء جمهورية بدأت وهم في الحكم، مثل نيكولا ساركوزي، وأيضاً الرئيس الحالي ماكرون الذي حاكمت النيابة العامة المالية أشخاصاً من أقرب حلفائه، مما دفعهم إلى تقديم اسقالتهم".

المرجعية الصالحة للنظر بالدعوى

وأشار الباحث القانوني نور الدين إلى أنه "باستطاعة الدولة الفرنسية ملاحقة سلامة لأسباب عدة، من بينها أن الجرم، أي التحويلات المصرفية، حدث على الأراضي الفرنسية، وتُعتبر فرنسا المرجعية الصالحة للنظر في القضية، حتى لو كان الشخص أجنبي، وسلامة كما هو معروف يحمل الجنسية الفرنسية". وشدد نور الدين على أنه "على الدولة اللبنانية التحرك قبل صدور الحكم بحق سلامة، لأنه في حال صدر الحكم بمصادرة أمواله وأملاكه فلن تستطيع الدولة اللبنانية استرجاع قرشاً واحداً، وهذا ما حصل مع رفعت الأسد، لم تُعاد الأموال المصادرة إلى الشعب السوري، بعكس تونس التي بدأت تسترجع بعضاً من أموالها بعد سقوط الرئيس السابق زين العابدين بن علي".

"أمر مستهجن"

في السياق، قال المحامي المتخصص بالقوانين المصرفية الدولية، علي زبيب إن "الاتهامات التي طالت رياض سلامة في الخارج خرجت عن كونها اتهامات وأصبحت قيد التنفيذ الفعلي، لأن هناك ادعاء في فرنسا وسويسرا وبريطانيا. ومن المستغرب جداً أن يكون المسؤول عن السلطة النقدية والرقابية المصرفية في لبنان في خانة الاتهام المباشر والإجراءات الجزائية في أكثر الدول تقدماً في مجال مكافحة الفساد وتبييض الأموال، ويبقى على رأس السلطة النقدية، في ظل أسوء أزمة يمر فيها البلد منذ تاريخ نشأته. وكان متوقعاً أن يقيله مجلس الوزراء حين لم يبادر شخصياً إلى الاستقالة، وذلك وفقاً للمادتين 19 و20 الواضحتين لناحية الشروط والحالات التي تجوز فيها إقالة الحاكم، ومنها الإخلال بالموجبات الوظيفية والاستحصال على منفعة خاصة. وبما أن الإخلال بالموجبات الوظيفية ظهر منذ 17 أكتوبر 2019 حتى اليوم عبر العديد من الخطوات التي قام بها وامتنع عنها، من بينها عدم تفعيل المادة 208 من قانون النقد ولتسليف، والتي تسمح له بفرض عقوبات قاسية على المصارف تبدأ بالتنبيه وتنتهي بالشطب، ولم يحدث ذلك على الرغم من المخالفات المصرفية".

الأمور المالية تتجه نحو الأسوء

وزاد زبيب أنه "في لبنان يعود للمدعي العام التمييزي إثارة هذا الموضوع، وكان هناك تواصل بين النيابة العامة في بيروت ونظيرتها السويسرية، ولكن هذا غير كاف. وادعت القاضية غادة عون على سلامة، ولكن لا بد من أن يكون التحرك بعيداً من الكيدية السياسية ويتسم بالحيادية، وبالتالي فلا بد للقضاء اللبناني من أن يتخذ خطوة، ومن المستحسن في هذه الفترة توقيف الحاكم عن العمل إلى حين البت في ما إذا كان أخل بواجباته الوظيفية أو استفاد من منصبه لمصلحة خاصة. مع العلم أن التقارير الصحافية العالمية أثبتت أن سلامة حقق مصالح خاصة من شركات غير موجودة في لبنان". ورأى المحامي زبيب أنه "على الأرجح، الأمور المالية تتجه إلى الأسوء وقد تكون كلمة انهيار الوضع الاقتصادي قليلة جداً، ونحن على شفير العتمة الكاملة، لذا يحاول مصرف لبنان أن يبقي خطوط اللعبة بين يديه عبر التلاعب بموضوع الدعم، إضافة إلى أن على السلطات اللبنانية أن تتعاون مع أي دولة أخرى فيها ممتلكات أو أصول منقولة أو غير منقولة تخص الحاكم أو أحد أقربائه من الدرجتين الأولى أو الثانية".
وأشار زبيب إلى أنه "لا يمكن فرض التدقيق الجنائي المالي من قبل المحاكم الأوروبية، إذ أصبح هذا التدقيق بدعة وحلماً لن يتحقق، مثله مثل "الكابيتال كونترول"، الذي كان من المفترض إجراؤه منذ سنوات طويلة أو على الأقل بعد 17 أكتوبر 2019 عندما بدأت الأموال تُهرّب من البلد. وكان من الأجدى والأبسط أن تطلب النيابة العامة التمييزية من هيئة التحقيق الخاصة التعاقد مع شركة دولية أو محلية من أجل اجراء التدقيق الجنائي المالي من دون الحاجة إلى الاستحصال على موافقات حكومية أو خاصة". من هنا لا يعتقد المحامي الدولي أن التدقيق الجنائي المالي سيمر في لبنان "لأن الفضائح التي سيكشف عنها ستؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه على الساحة اللبنانية وخاصة عند الأحزاب السياسية النافذة فيه".

* نقلا عن "إندبندنت عربية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.