.
.
.
.

"الغزل الحرام" بين "الإخوان" وإسرائيل وإيران

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

وافقت الحركة الإسلامية في إسرائيل على تشكيل حكومة نفتالي بينيت، بعد أن تعهد منصور عباس، زعيم القائمة العربية في الجنوب، مع يائير لابيد، زعيم حزب "يش عتيد" (هنا المستقبل) دعمها داخل الكنيست الإسرائيلي؛ فرغم أن بينيت من ممثلي اليمين المتطرف، وأحد المدافعين عن الاستيطان، إلا أن الاتفاق تم في العلن للمرة الأولى بين ممثلي "عرب إسرائيل" الذي جاء متزامناً مع حرب الأحد عشر يوماً وبين حزب "يمينا".

تنظيم "الإخوان المسلمين"، براغماتي، يبحث عن مصلحته مثل غيره من الأحزاب والقوى السياسية، ما يخبئه تحت الطاولة أكثر مما يظهره على سطحها، وهذا ربما يعود الى طبيعة الحركة ونشأتها، تعشق العمل السري وتستثمر في التقيّة السياسية، أبعد ما يكون من البعد الأخلاقي في الدفاع عن القضية التي جعلها مركز نضاله، نتيجة غياب الشفافية والوضوح وتخوين الآخر.

أصّلت الحركة لاتهاماتها التي زرعتها في العقل العربي وفق أدبياتها، واستغلت العاطفة العربية في ترويج بضاعة التخوين لكل من يختلف معها في مسار الحصول على الحقوق الفلسطينية، عندما تحاول البحث في أصل الاتهام تتفاجأ بأن وصف العمالة والخيانه يطلقه قادة التنظيم على من يختلفون معه في الإيمان بمسارات الحل بغض النظر عن جدوى هذه المسارات.

من حق "الإخوان المسلمين" داخل الخط الأخضر أن يتبنوا التحالف مع الحكومة الإسرائيلية أو يحجموا عن ذلك، فهم أدرى بأنفسهم وبالمشهد الذي باتوا جزءاً منه، ومواقفهم تعبّر عنهم، ولكن عند تأمل هذه الخيارات تدرك حجم التناقض الأخلاقي والسياسي الذي تعيشه هذه الحركة والحالة المأزومة لقياداتها.

وصفت جماعة "الإخوان" وفرعها في فلسطين ممثلاً بحركة المقاومة الإسلامية "حماس" السلطة الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، بالعماله والخيانة والتفريط، لا لشيء إلا لأنها تبنت خيار التفاوض للحصول على الحق الفلسطيني، كما تبنت مشروع إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، ومن هنا كان التخوين في شرف مناضلي حركة "فتح" وكرامتهم!

منذ تم الإعلان عن نشأة حركة "حماس" في العام 1987 وهي تصف "السلطة" بأنها باعت فلسطين من أجل حفنة دولارات، وأنها لم تفهم العقلية الإسرائيلية حتى تتعامل معها، اتهمتها بالتفريط حتى في ما تفاوضت عليه أو تمسكت به، على كل الأحوال هذا رأي "حماس" والحركة التي خرجت من رحمها، ورغم إيمانها بما ذكرناه، إلا أنها من خلال "إخوان إسرائيل" فعلت أكثر من ذلك بإعلانها التحالف مع الحكومة الإسرئيلية "الوليدة".

"إخوان إسرائيل" وقعوا على المشاركة في الحكومة الإسرئيلية القادمة، معتبرين أن ذلك قد يأتي ببعض الحقوق للأقلية العربية داخل إسرئيل، وهم يُدركون أن هذه المشاركة تُعني الاعتراف بدولة إسرائيل، التي لا يعترف بها "الإخوان" ولا "حماس" ويرون دولتهم من النهر إلى البحر، ومن هنا كان الانقسام الفلسطيني وكانت الطعنة في ظهر هذه القضية وما زالت.

تحولت "حماس" كما "الإخوان" في مراحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى نضال الشعارات وتركيز الإهتمام في تعميق الانقسام وتعزيز الفرقة، وهو ما شكل تحدياً في الحصول على الحقوق الفلسطينية.

أدركت "حماس" ربما في وقت متأخر أهمية الطرح الخاص بالحصول على اعتراف دولي بإقامة دولة فلسطينية تكون عاصمتها القدس الشرقية، كما أنها أدركت أهمية الانخراط في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرئيل للحصول على الحقوق الفلسطينية بعدما كانت تحارب السلطة الفلسطينية بسبب تمسكها بهذا الخيار.

أدركت "حماس" ذلك بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الاتهامات للسلطة وقادتها، غير أنها ما زالت تنازعها في الحكم بعد قرار الانقلاب العسكري على قطاع غزة قبل أربعة عشر عاماً، ولكنها ترفض أن تكون جزءاً من السلطة، كما ترفض أن يكون القرار للسلطة حتى ولو شكلتها أو شاركت فيها، عزلة مفهومة ولكنها غير متفهمه، لها مشروع واحد قاعدته الأساسية القانون الأساسي لهذه الحركة، التي ترى نفسها من خلاله امتداداً لحركة "الإخوان المسلمين".

وصف يحي السنوار، مسؤول حركة "حماس" في قطاع غزة، في مؤتمره الأخير، ياسر عرفات، بالشهيد وبأنه لم يبخل بتسليح الشعب الفلسطيني من أجل الدفاع عن نفسه، معترفاً بما كان يناضل من أجله وهو إقامة دولة فلسطينية، ولكن بعد مرور عقود من الصراع كان عنوانها الرئيسي التخوين.

"حماس" لم تكن شيئاً مختلفاً عن الحركة التي خرجت من رحمها، ولسنا مشغولين بإثبات ذلك، فمواقفها تدل عليها، نجحت هذه الحركة في بناء شعبية في الشارع لا أحد يختلف على ذلك، شعبية ارتكزت الى الخطاب الشعبوي أو العاطفي ودغدغة مشاعر الفلسطينين، خطاب لم يكن بعيداً من المواجهة، بل كانت مواجهة إسرئيل جزءاً من الخطاب والفعل في الوقت نفسه، وتُركت السلطة الفلسطينية للمواقف المسؤولة والمكلفة في الشارع، وهذه طبيعة أي سلطة، لا تحقق ما تحققه معارضتها.

تخوين "حماس" للسلطة الفلسطينية ومشاركة "الإخوان المسلمين" داخل الخط الأخضر في تشكيل الحكومة الإسرئيلية، وبضع بيانات لـ"الإخوان" بأن لا علاقة لنا بالحركة الإسلامية في الجنوب ولا بمشاركتها في انتخابات الكنيست الإسرائيلي أو تشكيل الحكومة؛ هذه البراغماتية مفيدة ولكن لـ"الإخوان" و"حماس" وليس للقضية الفلسطينية التي تخسر يوماً بعد الآخر من أي صراع داخلي، هذه هي شعبية "حماس"، شعبية قائمة على دماء "السلطة"، وبات صراع إسرئيل ترياق الحياة الذي تعطيه إياها ثم تصفها بأنها ذات مواقف معادية!

تحالفات "الإخوان المسلمين" سرية وعلانية، والجماعة لها خطابان، أحدهما قد يكون داخلياً "معنياً بأفراد التنظيم" وخارجياً "معنياً بالجمهور العادي"، وخطاب شعبوي يوجه للجمهور بهدف كسب وده وبناء شعبيتها وخطاب مناقض لا يظهر إلا على الطاولات المستديرة في الغرف المغلقة، وهذا يدل الى إزدواجية التنظيم وغياب الشفافية في داخله، حتى ولو حقق مكاسب من ورائه ولكنها تبقى مكاسب مزيفة لا تعبر عن الواقع بشكل دقيق.

وجه إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، الشكر للجمهورية الإسلامية الإيرانية على ما بذلته من جهود داعمه لقضية العرب والمسلمين، شكر افتقد البوصلة الدقيقة لأهداف إيران من وراء هذا الدعم وما نتج منه، فقد تحولت قضية العرب والمسلمين قضية فرعية تناقش على مائدة المفاوضات في فيينا بين إيران وأميركا، بدلاً من أن تناقش بشكل منفصل مع أصحابها، وبات الإيرانيون يساومون عليها مثل الميليشيات المسلحة الإيرانية (حزب الله والحشد الشعبي والحركة الحوثية).

افتقد شكر "حماس" قراءة الأهداف الإيرانية عن قرب، فطهران التي شكرتها "حماس" بدعوى دعمها قضية العرب والمسلمين، قامت بإحتلال 4 عواصم عربية، ولديها مشروع لإحتلال المزيد وفق استراتيجية تصدير الثورة الإيرانية وسيادة العرق الفارسي، مشروع لا يختلف كثيراً عن المشروع الإسرائيلي، فكل منهما يتبني فكرة الاحتلال الفكري والعسكري معاً.

وهنا تمكن قراءة جهود "حماس" للقضية الفلسطينية في أنها سمحت لهذا الاختراق، بدعوى أن مشروعها نضالي مقاوم لا علاقة له بأي خلافات سياسية، وهنا افتقد المشروع للبوصلة الأخلاقية، وبات بمثابة خنجر مسموم في ظهر القضية، فلا يمكن أن تفصل ما بين الدعم الذي تقدمه أي دولة للقضية الفلسطينية وما بين أهداف هذه الدولة أو تلك، فما بالك إذا تماهت هذه الأهداف مع المشروع الذي تدعي إسرائيل مواجهته.

جزء مشهد "الغزل الحرام" بين "حماس" و "إيران" يظهر من خلال قيام ممثل حركة "حماس" في اليمن، معاذ أبو شمالة بتكريم محمد علي الحوثي، عضو المجلس السياسي الأعلى للجماعة الحوثية؛ كرمه على دوره في نصرة قضية العرب والمسلمين، وهو يعلم أو لا يعلم أن حركة "أنصار الله" الحوثية انقلبت على شرعية الشعب اليمني، وباتت مرهونه بالقرار الإيراني، وباتت صواريخها ومسيّراتها تضرب الدول العربية المجاورة، مشهد بات أكثر تعبيراً عن الحالة المأزومة التي تعيشها حركة "الإخوان المسلمين" وفروعها، كما عبرت عن القواسم المشتركة بينها وبين إسرائيل من ناحية وإيران وأذرعها العسكرية من ناحية أخرى.

نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.