.
.
.
.

ديكتاتورية «كلوب هاوس»!

شريف عارف

نشر في: آخر تحديث:

«كلوب هاوس Clubhouse»، هو التطبيق الأكثر إثارة للجدل، والذى أطلق مع بداية العام الحالي، فى وقت كانت فيه جائحة «كورونا» تجتاح بلدان العالم، وتدفع الناس دفعًا نحو واقع افتراضي، يلبى احتياجاتهم فى الحديث فى أى وقت، وفى أى شيء.

قالت صديقتى إنها تشعر بـ «حرية حقيقية» فى الحديث على هذا التطبيق، وهى تستمع إلى آراء متنوعة وساخنة فى مختلف القضايا، ثم أردفت: «الناس عايزة تتكلم بحرية»!.

حقيقة لا أنكرها، فأنا أتفق معها فى أن الناس فى حاجة إلى الحوار.. الحوار شيء مطلوب، ومهم لمستقبل وحاضر أي بلد، لكن أى نوع من الحوار الذى تقصده صديقتى المتحمسة دومًا.. هذا هو السؤال.. وتلك هى القضية؟!.

أغلب الناس يرون أن مجرد الكلام هو «حرية»، لكن الحرية ليست كلامًا فحسب. الحرية فعل وتصرف وحفاظ على حرية الأخر التى تبدأ مع نهاية حريتك أنت.

ظللت أستمع إليها وهى تتحدث، عن جلسات رائعة كان يتم فيها مناقشه كل القضايا بما فيها قضايا التحولات السياسية فى الشرق الأوسط، هى لا تنكر أن كثير من المتحدثين أعضاء مؤثرين فى جماعة الإخوان الإرهابية، أو بعض من أعضاء تنظيمها الدولي!.

بعد أيام وجدتها تحدثنى عن جلسة وصفتها بـ "الرائعة"، والتى كان ضيفًا رئيسيًا فيها رئيس المكتب السياسى لأحد الفصائل الفلسطينية، والذى تحدث لمدة تجاوزت الساعة عن مصر وموقفها الأخير فى غزة.

كانت الصديقة من ضمن المشاركات فى تلك الجلسة التى حدثتنى عنها، ومبهورة بكثير مما قاله رئيس المكتب السياسى للفصيل الفلسطيني، وحديثه عن القضية وكفاح فصيلة الذى ينتمى إليه فى مقاومة المحتل.

الخطير فى التطبيق، أن من ينشئ هذه الغرفة يصبح على الفور هو المسئول عن محور الحديث، وبالتالى يتحكم فى من يكون «المايك» بين يديه ليتحدث، أو يسحب «المايك» منه، أو يدعو أحد الحضور للحديث والمشاركة، ويمكنه ـــ أيضًا ـــ منح صلاحية إدارة الغرفة لأكثر من شخص معه فى الغرفة.

سألتها: وهل تحدثت إلى رئيس المكتب السياسي، فأجابت: لا، فبادرتها بأنها من المؤكد ليس لديها ما تستفسر عنه، لكنها نفت ذلك، وقالت إنها حاولت طلب الحديث أكثر من مرة من مدير الغرفة، ورفعت إشارة اليد عدة مرات، لكن طلبها قوبل بالرفض!.

قلت لها: «ألا تجدين تفسيرًا لذلك»، فأجابت: « كان واضحًا من حديثة أن أمامه أوراق معدة مسبقًا، ورسائل يريد توصيلها إلى المشاركين».

هنا تبرز أهمية هذا التطبيق، فهو مثل غيره من التطبيقات التى تريد أن ترسل الرسالة من طرف واحد فقط، رسالة ببساطة فى طريق «اتجاه واحد» لا يقبل العودة أو التعليق!.

الأحاديث التى سمعتها وقرأت عنها خلال الأيام الماضية، دارت معظمها داخل «غرف كلوب هاوس»، وغالبيتها إما تمثل جلدًا للذات عن فرص ضائعة لم يعد فى الإمكان استعادتها، أو طموحات وخيالات هى أبعد ما تكون عن الواقع الذى نعيشه.

من الأحاديث التى دارت داخل إحدى "الغُرف"، تجمع من عشرة أفراد تقريبًا، يتحدثون عن الثورة القادمة فى مصر، وقادهم خيالهم المريض، إلى أنها خلال أيام قليلة، وأن الشعب سيتجاوب معها بكل تأكيد!.

أمثال هؤلاء من «مرضى الغرف» يعانون من مشكلات نفسية مع أنفسهم، قبل أن تكون مشكلات مع شعوبهم، أو الدول التى منحتهم لجوءًا مؤقتًا إلى حين.

الحوار الحقيقى هو «الحوار المعلن» الذى يستهدف مستقبل الشعوب.. لا العناوين البراقة التى تحمل فى طياتها «ديكتاتورية» الرأى الواحد!.

نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.