.
.
.
.

المشروع الوحدوي الأوروبي يواجه أزمته الوجوديّة

أحمد نظيف

نشر في: آخر تحديث:

عصف الوباء بأشياء كثيرة. أحلام وعوالم ومشاريع وطموحات في بلدان مختلفة ومناطق شتى. لكن بالنسبة الى الاتحاد الأوروبي، كانت الأزمة وجودية، وجاءت بعد فترة وجيزة من التحديات الأخرى للكتلة الأوروبية، بما في ذلك الأزمة المالية لعام 2008، وأزمة اللاجئين في 2016، وخروج بريطانيا من مظلة الاتحاد.

كانت هجمة الوباء فرصة للاتحاد الأوروبي ليثبت لمواطنيه، المتشككين أصلاً، أنه يستطيع التحرك بسرعة وحسم وقوة لمصلحتهم. لقد كانت فرصة لتقديم نفسه جهة عالمية فاعلة، قوية وقادرة على توجيه الاستجابة الدولية وتحمّل أي أزمات جديدة يمكن أن تظهر في عالمنا الشديد الاتصال. لكن الاتحاد الأوروبي أضاع فرصته في تقديم كل ذلك، بعد إقرار اتفاق حزمة التعافي في صيف 2020، والتي خيبت الآمال، وبعد ذلك أثارت البداية البطيئة والفوضوية لطرح اللقاح في بداية عام 2021 أسئلة كبيرة حول قدرة الاتحاد على توجيه دوله الأعضاء خلال الأزمة.

فقد تعرضت المفوضية الأوروبية لانتقادات شديدة خلال شهري شباط وآذار (فبراير ومارس) 2021 لفشلها في تأمين إمدادات كافية من اللقاحات لمواطني الاتحاد الأوروبي. في الوقت نفسه، تم تصدير ما يقرب من نصف إمدادات اللقاحات المنتجة في الاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت. ومع ذلك، يبدو أن اختيار عدم منع تصدير اللقاح قد عكس رغبات الناخبين. ربما يكون الدرس المستفاد من مؤسسات الاتحاد الأوروبي هو أنها تحتاج في المستقبل إلى أن تكون أكثر وضوحاً بشأن توصيل نهجها، وأن تمتلك بثقة القرارات التي اتخذتها، وأن تشرح الأسباب الكامنة وراءها. بالنسبة الى الجمهور، بدا أن الموقف مع اللقاحات كان عشوائياً من جانب الاتحاد الأوروبي بدلاً من استراتيجية محسوبة تستند إلى مبدأ أنه لن يكون هناك بلد في مأمن من الوباء حتى يحصل كل بلد على اللقاح الكافي.

اليوم، وبعد عام ونصف عام من بدء الجائحة، أصبح العديد من المواطنين الأوروبيين أقل ثقة بمؤسسات الاتحاد. من الواضح أن آمالهم وتوقعاتهم من أجل تعاون أوروبي أفضل وأكثر فاعلية، والتي كانت واضحة في بداية هذه الأزمة، لم تتحقق. ومع ذلك، لا يزال المشروع الأوروبي يحظى بدعم قوي بين سكان الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

لكن نتائج الاستطلاعات التي تنشر من حين إلى آخر تظهر أنه لم يعد بالإمكان اعتبار الإجماع المتساهل للمشروع الأوروبي أمراً مفروغاً منه. إنها دعوة الى الاستيقاظ لتوجيه الدعم المتبقي للاتحاد الأوروبي في الاتجاه الصحيح. فلن يكون الشعور بالضعف المشترك كافياً لدفع المشروع الأوروبي إلى الأمام في سنوات ما بعد الجائحة.
كما تظهر بيانات الاستطلاعات المسحية، أن الحاجة إلى بناء السيادة الأوروبية أصبحت ملحة. بعد انتخاب بايدن، ربما تساءل صانعو السياسة الأوروبيون عما إذا كان هذا لا يزال ضرورياً بالنظر إلى أن الولايات المتحدة "عادت". فقد ترك خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب ترامب ندوباً عميقة في أوروبا، إذ يتمتع مواطنو الاتحاد الأوروبي بثقة أكبر بالغرب. وهم يعتبرون الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أهم شركائهم. لكنهم يدركون أنه في عصر تنافس القوى العظمى، يجب عليهم في النهاية الاعتماد أكثر على أنفسهم. فبينما لا يزال الأوروبيون يشعرون بعلاقة عاطفية خاصة مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة، ساهم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب ترامب في إحساس واسع النطاق بخيبة الأمل. إن الإحساس الغريزي لدى الأوروبيين بالغرب لم يعد يناسب الواقع الجيوسياسي الذي يعيشون فيه الآن. إن حلم الغرب في حقبة الحرب الباردة ينتمي إلى الماضي. ويؤدي هذا إلى شعور الناخبين الأوروبيين بأن الاتحاد الأوروبي لم تعد لديه تحالفات طبيعية تتجاوز قضايا السياسة المختلفة، وهو شعور يشير إلى الحاجة إلى بناء شعور أقوى بالسيادة الأوروبية والسعي إلى شراكات مصلحية. في عالم تتنافس فيه القوى العظمى، يرى الأوروبيون ضرورة إقامة شراكات استراتيجية مع دول مختلفة.

ومع ذلك، لا يمكن لأوروبا أن تفعل ذلك بمفردها. فلا يزال يتعين على القادة الأوروبيين محاولة بناء سيادتهم كمحاولة عبر المحيط الأطلسي، حيث يساعد كل بُعد، من الأمن إلى القواعد الدولية حول التجارة والصحة العالمية، إلى تحدي المناخ، الاتحاد وشركاءه عبر المحيط الأطلسي على تعزيز بعضها بعضاً.

يُظهر استطلاع نشره المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في وقت سابق، أن الأوروبيين عموماً يريدون سياسة تعاونية لا سياسة خارجية تصادمية. إن فكرة "الشراكات الاستراتيجية" متجذرة بعمق في الحمض النووي للأوروبيين. وفي الوقت نفسه، يدرك الأوروبيون أن هناك جوانب من علاقاتهم مع روسيا والصين وتركيا، تجعل هذه الدول منافسة أو حتى خصمة. إن الأوروبيين يتسمون بعقلية الشراكة، لكن ليسوا متساوين بين القوى العظمى. فعندما يتحدث الممثل الأعلى للاتحاد، جوزيب بوريل، عن تعلم الاتحاد الأوروبي لغة القوة، لا ينبغي أن يعني هذا أن الاتحاد الأوروبي يهمل قيمه لمتابعة سياسات القوى العظمى التقليدية. لا ينظر مواطنو الاتحاد إلى تركيز الاتحاد الأوروبي على القوة الناعمة والتعاون الدولي والحلول القانونية على أنه ضعف. بدلاً من ذلك، يرون أنه أعظم فضيلة للاتحاد الأوروبي.

لذلك، فعلى الاتحاد الأوروبي تشكيل عالم ما بعد فيروس كورونا، بما يتماشى مع ما يعتقد الأوروبيون أنه يربطهم بعضهم ببعض: الإيمان بحقوق الإنسان والديموقراطية وسيادة القانون. من خلال الالتزام بما يريده الأوروبيون وما يطمحون إليه، يمكن للاتحاد الأوروبي وقادته إثبات قيمة المشروع في عالم ما بعد الغرب. لذلك يجب على صانعي القرار الأوروبيين مضاعفة جهودهم لتعزيز الديموقراطية وسيادة القانون في الداخل. وإذا طور الاتحاد الأوروبي القدرة والأدوات والموارد لتقديم نفسه باعتباره رائداً عالمياً للنظام الدولي القائم على القواعد والتزم بالتزامه بالتعددية والتعاون الدولي، فسيصبح شريكاً أكثر جاذبية لمثل الجهات الفاعلة في التفكير. وسيؤدي تطوير الأبعاد المختلفة للسيادة الأوروبية إلى تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي على تشكيل النظام الدولي لما بعد فيروس كورونا. ولكن في بيئة دولية تتميز بعودة القومية والسياسات القسرية، يجب على الاتحاد الأوروبي الحفاظ على هويته.

*نقلا عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة