.
.
.
.

صك الملكية

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

قال لى صديقى إن «صك الملكية» هو مفتاح تقدم الأمم، وما الدول الغنية والمتقدمة فى غناها وتقدمها إلا عائد إلى ما تحتوى عليه هذه الورقة من شرعية. الرأسمالية بدأت عندما جلس إنسان على قطعة من الأرض وقال هذه ملكى، وأضفى المجتمع قبولًا صار مشروعًا، وعندما تعددت الملكيات صارت هناك سوق، والسوق خلقت المنافسة ومعها الاختراع والابتكار، ولما كان كل ذلك يحتاج إلى قواعد، والقواعد لمن يحرسها، فكانت الدولة.

«الملكية العامة» وجدت مرتين، مرة قبل أن تبدأ الحضارة عندما كانت الأرض كلها مشاعًا فى القبيلة أو المجتمع الأول البدائى؛ ومرة بعد أن ازدهرت الحضارة الإنسانية عندما جاءت الفكرة «الشيوعية» لكى تنتزع البيروقراطية ملكية وسائل الإنتاج، وهذه ليست الأرض وحدها وإنما ما تستغل به من آلات تصنع أو حبوب تزرع. فى تجربة الاتحاد السوفيتى وأوروبا الشرقية والصين فى عهد ماو ودول أخرى بائسة مثل ألبانيا انتهت إلى مجاعات واسعة النطاق، قيل إنه فى الصين وحدها سقط ٣٠ مليون صينى ضحية الجوع. تجربتنا فى مصر لم تكن مبشرة، وبعد الخطة الخمسية الأولى (١٩٦٠- ١٩٦٥) لم تكن هناك خطة ثانية، وبدأت أزمات انتهت بنكسة.

أحاديث الرئيس السيسى تشير إلى أهمية «القطاع الخاص» وضرورة دعم مشاركته فى البناء الوطنى. الدولة أخيرا بعد عقد ونيف من تداول الموضوع فى عقل الحكومة، لم تصدر قانونا للصكوك فقط، وإنما أعلنت أنها بسبيل الطرح لها فى السوق. المادة ٣٥ من دستورنا تقول «الملكية الخاصة مصونة»؛ ومع ذلك فإن مصر لم تخترق بعد حجب الوصول إلى تلك الحالة من الرفعة المرتبطة بذيوع صكوك الملكية الخاصة للعقارات. والسبب هو طريقة تعاملنا مع هذا «الصك» الذى يعبر فى الأساس عن «قيمة» قد تكون عقارا أو سيارة، ويظهر فى شكل وثيقة إذا ما أعطيت لمصرف فإنه استنادا إليها يمكن أن يعطى قرضا مساويا. القاعدة العقارية الضخمة فى البلدان المتقدمة، تؤدى إلى قروض عقارية ضخمة أيضا، يمكنها أن تسدد الأصل على آجال بعيدة، فضلا عن الاستثمار، إما فى مشروعات أو أدوات مالية. تحويل الصك من طرف إلى آخر لا يستدعى أكثر من مراجعة لدى مكاتب متخصصة توجد فى أماكن شائعة، حيث يقوم «النوتارى» بالتأكد من شخصية البائع والمشترى وتوافقهما على السعر والبيع، وبعدها يكون الحال جاهزا لنقل الملكية. ما زلت أتذكر هذه الرحلة ذات يوم فى الولايات المتحدة، ولم تكن فى عقار وإنما فى سيارة مستعملة، كان الصك لها قابعا فى درجها، حيث تم وضع الأسماء والتاريخ، وضغط «النوتارى» عليها بالخاتم البارز. انتهت المهمة، انتقلت الملكية. وفى العقارات، القروض العقارية باتت متاحة، وأصبحت السوق دائرة بعمليات البيع والشراء، ودخلت الأقساط فى البنوك، وخرجت منها قروض على آجال طويلة وقصيرة حسب الطلب، والسجل التاريخى للشخص مع البنوك هو الضامن الأول.

مناسبة الحديث فى الموضوع هى نية الدولة تشجيع السوق العقارية ومنح القروض العقارية طويلة الأجل. أصبحنا على أبواب خطوة تقدم كبيرة؛ ولكنها لن تصير قفزة طالما أنه لا يوجد صك للملكية للوحدات السكنية لا تحتاج لعمليات تسجيل واسعة النطاق، وشهر عقارى صعب الدخول وقليل المرونة. الأمر كله يحتاج درجات كثيرة من التحديث، وما تم حتى الآن من انتشار أجهزة الحاسب الآلى داخل أروقة البيروقراطية لا بأس به، ولكنه لا يشكل فارقا كبيرا. وبلغة المشروعات العملاقة فإن الأمر كله يحتاج مشروعات جبارة لخفض خطوات الملكية والتقاضى والتحكيم بشأنها كما يجرى فى المجتمعات المتقدمة. الآلة وحدها لا تكفى وإنما تغيير العقليات بالتدريب والإنجاز المحدد بزمن. حتى الآن، فإن منجزات المؤسسات الحكومية تُقاس بالعائد الذى تحققه، أو بعدد العقود التى أجرتها، ولكن الفارق يحدث عندما نحسب ذلك بالزمن، باليوم أو بالساعة؛ وفى دول أخرى يحدث ذلك بالدقيقة. ببساطة، فإننا نجحنا فعلًا فى خلق حالة من الفخر والعزة فى المهندسين والعمال الذين حفروا الأنفاق العظمى وأقاموا الطرق الفسيحة والجسور الواسعة؛ ولاحظ الحديث الذى يجرى بين الرئيس السيسى والقائمين على العمال: هل هناك أمر تركناه، وهل يوجد ما يمكن إضافته؟.

هذه الأسئلة مثارة بعد أن نعد العدة ونقيم القوانين ونفرض التقدم على أجهزة الدولة وبيروقراطيتها التى هى ليست بالضرورة جزءا من التعقيد والتأجيل والخوف المستمر من الخطأ، وإنما يمكن دائما أن تعيد الأمر كله إلى أصوله، وهو أن إجراءات «صك الملكية» جزء أساسى من عملية التقدم لا ينبغى أبدا تأجيله.

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.