.
.
.
.

رئيسي – إيران ..خيار الملالي لا الشعب

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

هل يمكن اعتبار، "إبراهيم رئيسي "، المنتخب حديثا رئيسا للجمهورية الإيرانية، الرجل المناسب للشعب الإيراني لإخراجه من أزماته المتراكمة، داخليا وخارجيا؟

علامة الاستفهام المتقدمة تأخذنا إلى مفترق طرق، حيث أثبتت الأيام الماضية في إيران أن رئيسي أقرب ما يكون إلى اختيار جبري أو قسري من المرشد الأعلى، بل ربما يكون خليفته في قادم الأيام، وليس خيارا حقيقيا للإيرانيين.

من خلفية قضائية جاء رئيسي، غير أن التاريخ الإيراني لا يبدو أنه على تصالح معه، أو يمكن أن يسامحه عند لحظة بعينها، فالرجل وثيق ولصيق الصلة بحملات إعدام طالت سجناء ماركسيين ويساريين عام 1988، حين كان يشغل منصب معاون المدعى العام للمحكمة الثورية في طهران، ولهذا فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية في العام 2019 عقوبات.

تبدو علامات التشدد بادية في فكر رئيسي، أول الأمر وآخره، ما يعني أن سنوات إيران المقبلة لن تبارح المنطقة الظلامية عينها التي تعاني منها البلاد منذ أربعة عقود، ومن الواضح أنه متشبع إلى أبعد حد ومد بروح الخميني، فعلى سبيل المثال ينكر ضلوعه في إعدامات نهاية الثمانينات، لكنه في الوقت عينه يبدي تقديره للأمر الذي أصدره مؤسس الثورة، لتنفيذ الإجراءات بحق أولئك الموقوفين.

رئيسي عينه، كان من المؤيدين لأساليب العنف والقسوة التي اتبعتها طهران ضد التظاهرات الخضراء التي تلت إعادة الانتخاب المثيرة للجدل للرئيس محمود أحمدي نجاد عام 2009.
يعن لنا أن نتساءل :" من انتخب رئيسي؟

على العكس من البيانات التي وزعتها وزارة الداخلية الإيرانية، والتي أرادت من خلالها ترويج فكرة المشاركة الجماهيرية في انتخاب، رئيسي، تبدو الحقيقة على خلاف ذلك بالمرة، إذ لم تتجاوز المشاركة 10% من نسبة الذين يحق لهم الاقتراع الأمر الذي اعتبر من قبل دوائر ديمقراطية غربية عديدة :" أكبر ضربة سياسية واجتماعية ضد المرشد الأعلى خامنئي، وفي مواجهة الاستبداد السياسي والديني، وما يستحق تهنئة تاريخية للشعب الإيراني".

تبدو علامات الديكتاتورية قائمة في الداخل الإيراني، وهو أمر غير مستغرب على الأنظمة الثيؤلوجية، من أوروبا بالقرون الوسطى وحتى الساعة، حيث الحاكم هو الناطق باسم الألوهية، والجالس في مقعد المرشد هو مالك الحقيقة المطلقة التي لا تشارع ولا تنازع، وإلا اعتبر خارجا عن الإجماع ويحق الخلاص منه ماديا وأدبيا.

أحد الذين كشفوا نخبوية انتخاب، رئيسي، من قبل الملالي، وليس اختياره الحر من جانب الشعب الإيراني، الخبير العسكري الإيراني، بابيك تقوايي، والذي فضح الممارسات الشمولية للمؤسسات الأمنية الإيرانية على العسكريين الإيرانيين وأسرهم، لضمان مشاركتهم في الانتخابات الرئاسية يوم الجمعة الماضية.

أدرك الملالي وعلى رأسهم المرشد أن شهية الناخبين الإيرانيين للاقتراع قد وصلت إلى أدنى درجة ممكنة، ولهذا عمدوا إلى خطة مدعاة للتأمل توضح كيف تدار إيران أمنيا، إذ عمدوا إلى سياسة التخويف في المدن السكنية الخاصة بعائلات ضباط الجيش، لإجبارهم على التصويت، ومع ذلك لم تأت المساعي القسرية بما كان يتطلع إليه أركان النظام الإيراني.

لم تغب مسألة هندسة النظام الإيراني للانتخابات عن أعين المراقبين الدوليين، الأمر الذي رصده، باتريك وينتور، من صحيفة "ذا غارديان "البريطانية، حيث أشار في تقرير له غداة الانتخابات إلى الجهد الهائل الذي بذله المتشددون في إيران لضمان فوز رئيسي.

وينتور يلفت الانتباه إلى جزئية مهمة في مشهد انتخابات رئيسي، وهي أن ترتيبات الملالي في الداخل، عملت على إضعاف، بل تقسيم صفوف التيار الإصلاحي المعارض، والضعيف في الأصل، من خلال تعظيم الشقاق حول مقاطعة الانتخابات لحرمانها من الشرعية من جهة، وبين من يعتقد أن أربعة أعوام جديدة تحت سلطة رئيسي، كفيلة بإنهاء مسيرة الجمهورية التي تجاوزت أربعة عقود.

من الواضح للغاية أن رئيسي، هو عملية صناعة لمسؤول إيراني بدرجة رئيس، بمعنى أنه اختيار فوقي من قبل المرشد تم إعداده عبر وقت طويل لاستدعاءه في الوقت المطلوب.

حتى العام 2016 كان رئيسي قاضيا غير معروف نسبيا، عينه خامنئي على رأس مؤسسة دينية مهمة في مدينة غرب مشهد.

لكن في مايو آيار قبل خمس سنوات حدث ما غير طباع الرجل وبدل أوضاعه، فقد زاره وقتها مسؤولان عسكريان رفيعان.

أكثر من مصدر إيراني داخلي قطع بأن اللقاء الذي غلفته السرية، وإن لم يغب أعين الأعين التي تراقب إيران من الداخل، لا سيما من أجهزة الاستخبارات الإقليمية المعروفة التي اخترقت إيران وبرنامجها النووي، قد جمع القاضي رئيسي، مع رئيس الحرس الثوري الإيراني الجنرال علي جعفري، والجنرال قاسم سليماني.

يفيد المشهد المتقدم بأن تحضيرا جرى من قبل المؤسسة الأمنية القوية في البلاد، أي الحرس الثوري، لتحضير، رئيسي، ليكون رئيسا للبلاد من دون أدنى شك.

هل وجهت طهران لطمة قوية لإدارة الرئيس الأميركي، جوزيف بايدن، تلك التي تسارع الخطى من أجل التوصل إلى اتفاق نووي جديد معها؟
مثيرة هي إشكالية تكافؤ الأضدار في الروح الأميركية الواحدة، ففي حين كان بايدن في بريطانيا وسويسرا يدافع وينافح عن الديمقراطية، نراه يغض الطرف عما جرى من الجمهورية الإيرانية التي غيبت كل ملامح الديمقراطية في اختيار رئيسها، ومن دون أن يشكل ذلك أي استفزار له، وكأن واشنطن قد اكتفت ببيان وزارة الخارجية الباهت حول ضعف المشاركة الشعبية.

تبدو انتخابات إيران على الضد من رغبة واشنطن حول المزيد من القيادة الديمقراطية للعالم، ما يجعل توجهات إدارة بايدن غير ذات مصداقية بالنسبة للكثيرين حول العالم عامة، وفي الشرق الأوسط خاصة.

مهما يكن من أمر واشنطن وطهران، فإن اختيار رئيسي، لا يمكن بحال من الأحوال أن يعطي إنطباعا بأي استقرار قادم للمنطقة، فالرجل لن يكون قراره من رأسه، بل سيدور في فلك الطغمة الحاكمة التي أسكنته موقعه وموضعه.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة