.
.
.
.

مغزى الحكم بحبس وزير العدل الياباني

كمال جاب الله

نشر في: آخر تحديث:

سوف أظل أذكر ما حييت القصة الدرامية لانتحار الرئيس الأسبق لجمهورية كوريا الجنوبية، روه مو هيون، هربا من فضيحة ألمت به، وبقرينته أساسا، بعد مغادرته للمنصب، ولم يتحمل تداعياتها، في دولة تعلي قمة الانضباط والشفافية في الحكم.

شاءت الظروف أن أقترب من قصة صعود وسقوط الرئيس روه مو هيون في ثلاث مناسبات.

الأولى في شهر ديسمبر من عام 2002، حيث أوفدتني "الأهرام" لتغطية فعاليات الانتخابات الرئاسية، التي جاءت به، نموذجًا للسياسي العصامي، المنتمي لأسرة فقيرة، الحقوقي المدافع عن النشطاء والمعدومين، والمحارب الشرس ضد الفساد.

المرة الثانية، التقيت الرئيس روه مو هيون بقصر الرئاسة "الأزرق" في عام 2004، لإجراء حديث مطول نشرته "الأهرام". والمرة الثالثة، في حوار مماثل قبل زيارته لمصر في عام 2006.

المدهش والمثير للشفقة أن يقع الرجل، المحارب الشرس ضد الفساد، في شرك الشبهة به، ويقضي منتحرًا في واد سحيق، لعدم تحمله نفسيًا وبدنيًا الفضيحة.

في اليابان، توجد أمثلة كثيرة لإقدام المسئولين على الانتحار، آخرها قيام مسئول كبير باللجنة الأولمبية اليابانية، ياسوشي موريا، البالغ من العمر 52 عاما، بإلقاء نفسه أمام قطار مترو الأنفاق، وسط معارضة شعبية لاستضافة ألعاب طوكيو.

خلال مهمتي مراسلا للأهرام في طوكيو (2001- 2005) التقيت كارلوس غصن، اللقاء جاء في أثناء قمة المجد الذي كان يحظى به غصن، كمنقذ لشركات السيارات المفلسة وكصانع للمعجزات، وكان على هامش مؤتمر اقتصادي موسع جرى تنظيمه في طوكيو عام 2003، بحضور رئيس حكومة بريطانيا الأسبق طوني بلير.

لم يطرأ على ذهن أحد- وقتها- أن أمجاد كارلوس غصن، وفتوحاته الإدارية الملهمة في اليابان، سوف تنقلب رأسًا على عقب، ليلقى القبض عليه في عام 2018، بتهمة عدم الإفصاح في البيانات المالية عن 9.3 مليار ين (85 مليون دولار) تقاضاها على مدى 10 سنوات، وبـ إثراء نفسه على حساب الشركة التي كان يعمل بها.

ثقافة الانتحار اليابانية- الكورية الجنوبية ليست في دماء كارلوس غصن، لبناني- فرنسي المولد والنشأة، بل يشعر- في قرارة نفسه- بالظلم من النظام القضائي الياباني، الذي فيه تقدر نسبة الإدانة بنحو 99 في المائة، وأنه بريء من التهم الموجهة إليه.

لذلك لجأ غصن لحيلة الفرار إلى لبنان من النظام القضائي الياباني الصارم، في أواخر عام 2019، مختبئا في صندوق على متن طائرة خاصة عبر مطار كانساي الياباني "الخاص"، وتخضع الأمتعة، التي لا يمكن تمريرها عبر جهاز الفحص الأمني بالمطار، للتفتيش اليدوي، ويجوز للطيار أن يلغي هذا الفحص، في عملية أخذت طابع أفلام الإثارة استغرق التخطيط لها نحو 6 أشهر.

وقد اعترف أحد قدامى المحاربين في القوات الخاصة الأمريكية، وابنه، بالذنب في طوكيو، بتهمة مساعدة غصن في الهروب من اليابان، وبلغت أتعاب الرجلين 1.3 مليون دولار مقابل العملية، وذهب جزء من المبلغ لشركة دعاية يملكها الابن!!

في حديث منسوب لـ غصن قال إنه سيعود إلى اليابان - فقط - لتبرئة اسمه إذا تم تغيير النظام القانوني الياباني.

هذا النظام القانوني الصارم ، قضت - بموجبه - محكمة دائرة طوكيو بالسجن ثلاث سنوات بحق كاواي كاتسويوكي، الذي شغل منصب وزير عدل وبرلماني سابقا، بسبب شراء أصوات انتخابية فيما يتعلق بانتخاب زوجته لعضوية مجلس الشيوخ قبل سنتين.

كان كاواي قد اتُهم بتوزيع أكثر من 260 ألف دولار على 100 سياسي محلي ومؤيد في محافظة هيروشيما اليابانية من الفترة من مارس حتى أغسطس عام 2019، وفازت زوجته "كاواي أنري" بمقعد في مجلس الشيوخ في انتخابات جرت في شهر يوليو من ذلك العام.

القضية الرئيسية في المحاكمة، التي امتدت لـ 56 جلسة عقدت منذ شهر أغسطس الماضي، تمثلت في معرفة إن كان المتهم ينوي فعلا شراء أصوات.

في البداية، دافع كاواي ببراءته، ولكنه أقر بمعظم التهم في جلسة استماع في شهر مارس الماضي، ودعا فريقه الدفاعي لأن يكون الحكم مع وقف التنفيذ.

قالت النيابة العامة اليابانية إنه أقدم على عمل "غير مسبوق" تمثل في قيام برلماني بشراء أصوات وطالبت بالسجن لأربع سنوات بدون وقف التنفيذ.

كاواي استقال بالفعل من عضوية البرلمان وانسحب من الحياة السياسية، وإذا أصبح الحكم نهائيا فسيتم تعليق حقوقه المدنية وحظره من الترشح للانتخابات حتى انتهاء فترة سجنه، بالإضافة إلى خمس سنوات تالية، كما تم الحكم بأن "كاواي أنري" مذنبة - أيضًا - واستقالت من عضوية مجلس الشيوخ.

في مظهر آخر لتطبيق القانون بشكل صارم، اعتذر وزير الصحة والعمل والشئون الاجتماعية الياباني، نوريهيسا تامورا، لقيام 23 من موظفي الوزارة بإقامة حفل شرب في إحدى الحانات، حتى وقت متأخر من الليل وسط جائحة فيروس كورونا.
وقال تامورا في مؤتمر صحفي:"أعتذر عن الخيانة الظاهرة للثقة العامة من قبل مسئولي الوزارة، التي تطلب من الناس قبول قيود في حياتهم اليومية لاحتواء الوباء، وتخطط الوزارة قريباً لمعاقبة المتورطين".

أقيم الحفل في حانة على الطراز الياباني"إيزاكايا" في طوكيو، بعد ثلاثة أيام من انتهاء حالة الطوارئ بشأن الوباء في العاصمة.

وبقي الموظفون البيروقراطيون، الذين ينتمون إلى مكتب الصحة ورعاية المسنين بالوزارة، في الحانة من حوالي الساعة 7:15 مساءً حتى الساعة 11:50 مساءً.

نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة