.
.
.
.

لهذه الأسباب يريد أردوغان حماية مطار كابول

سميح صعب

نشر في: آخر تحديث:

وجد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في رحيل القوات الأجنبية عن أفغانستان خوفاً من سيطرة حركة "طالبان" على البلاد مجدداً بحلول 11 أيلول (سبتمبر)، الموعد المضروب لانسحاب آخر الجنود الأميركيين والأطلسيين عن هذا البلد، فرصة ليقترح على الولايات المتحدة القيام بمهام حراسة مطار حامد كرازي الدولي في كابول، الذي ستكون السفارات الأجنبية في حاجة إليه بعد الانسحاب.

قبل كل شيء، ينبع الاقتراح التركي من منطلق الرغبة في الاحتفاظ بموطئ قدم عسكري في أفغانستان، في سياق السياسة التي ينتهجها أردوغان منذ عشرة أعوام، والقائمة على استغلال الحوادث الإقليمية والدولية لتوسيع الانتشار العسكري التركي قدر المستطاع.

فهو استغل الحرب السورية ليحتل أجزاءً من شمال سوريا، وبذريعة الحرب مع "حزب العمال الكردستاني" التركي، أقام قواعد في شمال العراق، وانتهز الفوضى على الساحة الليبية ليبعث بجنوده إلى طرابلس، وتحجج بالحرب في إقليم ناغورني كاراباخ ليرسل قوات إلى أذربيجان، وعلى المنوال نفسه، يلعب على وتر الانسحاب الأجنبي من أفغانستان، ليقدم نفسه حامياً للمطار وللحاجات الإنسانية، لكنه في حقيقة الأمر يريد أن يقيم وجوداً عسكرياً تركياً دائماً في جنوب آسيا.

ليس هذا فحسب، بل إن أردوغان الطامح إلى إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة، يقدم نفسه اليوم على أنه يقوم بتضحية من أجل توفير الأمن لمطار كابول الذي في حال سيطرة "طالبان" على العاصمة الأفغانية، من المحتمل أن تحتاجه السفارات الأجنبية لإجلاء رعاياها، أو على الأقل لتلبية احتياجاتها إذا قررت البقاء في ظل حكم "طالبان"، على رغم أن بقاءها أمر مستبعد.

ومعلوم أن أردوغان يخشى تعرضه لمزيد من العقوبات الأميركية في ظل رئاسة جو بايدن، وذلك على خلفية سجل أنقرة في مجال حقوق الإنسان، لا سيما حيال الأكراد، سواء في تركيا أم في سوريا، والقمع المتمادي الذي تمارسه السلطات التركية بحق المعارضين والناشطين، فضلاً عن شراء نظام الدفاع الجوي الصاروخي "إس-400" من روسيا، إلى نشاطات تركيا المزعزعة للاستقرار في شرق المتوسط وليبيا.

وأتت مسألة الانسحاب الأجنبي من أفغانستان لتشكل فرصة لأردوغان، كي يعاود مد الجسور مع بايدن، ويظهر نفسه بالحريص على مواصلة تأمين الحماية لصلة الوصل التي لا غنى عنها بين أفغانستان والعالم.

وتلعب التطورات الداخلية في أفغانستان لمصلحة تركيا، خصوصاً أن "طالبان" باتت تسيطر منذ الأول من أيار (مايو) وحتى الآن على أكثر من 27 منطقة أفغانية، مستغلة الانسحاب الأميركي والأجنبي. وحتى الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها تستعد بدورها للانسحاب، وكذلك المترجمون الأفغان، الذين عملوا مع القوات الأجنبية أو لدى السفارات، كما أن البعثات الأجنبية تغلق مقارها الواحد تلو الآخر، فيما توقعات الجيش الأميركي تفيد بأن الجيش الأفغاني لن يكون قادراً على الإمساك بالبلاد لوقت طويل، خصوصاً أن مباحثات تقاسم السلطة الجارية في الدوحة من غير المرجح أن تصل إلى نتيجة إيجابية.

وعليه، الكل يتوقع عودة "طالبان" إلى الحكم بعد 20 عاماً من إطاحتها عقب هجمات أيلول 2001 على نيويورك وواشنطن. ومع عودة "طالبان"، لا شيء يضمن عدم عودة تنظيم "القاعدة" وعدم توسع نشاط "داعش" وتنظيمات جهادية أخرى، ستجد مجدداً في أفغانستان ملاذاً آمناً لها.

ضمن هذه الصورة الكئيبة لما ستؤول إليه الأوضاع في أفغانستان، ينبري أردوغان ليقدم نفسه ضامناً لأمن مطار كابول. وطبعاً هذا دور لن يستطيع القيام به من دون رضا "طالبان" والحركات الجهادية الأخرى.
لكن الهم الرئيسي لأردوغان هو توسيع الانتشار العسكري لتركيا، انسجاماً مع ذهنية العثمانية الجديدة.

*نقلا عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.