.
.
.
.

في عالم كالذي نعيش فيه، هل للكلمات من تأثير؟

فوزي عبد الرحيم

نشر في: آخر تحديث:

منذ أن توالت النكسات والنكبات على بلادنا وشعبنا برزت دعاوى تتحدث عن عبثية كل جهد مادام كل شيء مرتبا ومخططا من قوى لاقبل لنا بها تارة أو لأن هذا قدرنا ولانملك له تغييرا، ومن الجهود التي تعرضت للتيئيس وعدم الجدوى الكتابة باعتبارها مجرد كلام لا تأثير له أزاء الاحداث الكبيرة وصانعيها الجبارين..

قد يكون هذا القول صحيحا لكثير من الكلام والكتابات بل أغلبها وهي حقيقة لا يدحضها إلا بعض من الكتابة أو نوع منها،فلا شك أن صناع الحياة الباذلين أوقاتهم وأحيانا حرياتهم وحتى ارواحهم في أحيان أخرى هم من يملك السبق في التاثير والتغيير لكن الكلمة وليس أي كلمة قد تنافس ذلك الدور الكبير لصناع الحياة بل قد تفوقه في ظروف محددة..الكلمة التي تفعل ذلك لها مواصفات وهي تحتاج بيئة لتمارس تأثيرها فيها بل من الضروري ان يكون لمطلقها او كاتبها مصداقية أو نوع من التلازم بين مضمون الكلام وصفات الشخص او على الاقل ان لايكون هناك تناقض بين الاثنين..كان عمري احدى وعشرين سنه عندما وقع بين يدي كراس لبعض خطب ماوتسي تونغ حيث في احداها يتكلم عن ضرورة المواظبة في مخاطبة الناس لإقناعهم بصحة نهج الحزب الشيوعي،بالطبع لا اتذكر تاريخ الخطاب ولمن كان موجها ولا تفاصيل ذلك الخطاب لكن ماعلق بذهني منذ أن قرأته وظللت متأثرا به هو تشبيهه لمحاولات إقناع الناس بمثل دعوات الناس لله ان يحل مشاكلهم فيقول ،ونحن كذلك نطرق ابواب شعبنا كما يطرق الناس ابواب السماء إلى أن يتعطف شعبنا ويقتنع بما نقول..هذه واحدة من أهم قواعد تأثير الكلمة وهي المثابرة والإستمرار والإصرار إذ لا يجب توقع نتائج إيجابية لكلماتك أو كتاباتك لمجرد أنها تعبر عن حقائق وتصدر بقصد مخلص فذلك كله غير كاف مالم تتوفر له ظروف أخرى للنجاح والتأثير كثيرا ماتتوفر بعد مرور الوقت،ولطالما خسر بعض المثقفين والمناضلين جهودا بذلوها لأنه لم يطاولوا وقرروا أنهم فشلوا لأنهم كتبوا شيئا جميل الشكل قوي البنيان اللغوي عميق المعاني مخلص الاهداف والنوايا دون إستجابة تذكر..لا يدرك الكثيرون أهمية الكلمة واكثر منهم من لايجيدون إستخدامها ففي أحيان كثيره تخوض نقاشا مع شخص ما من مدرسة سياسيه وفكريه أخرى وتبذل كل جهد وتستحضر كل معرفتك لتدحض آراءه وتثبت صحة تفكيرك لكنك تخرج من ذلك بحصيلة سلبية تقتنع معها أنك فشلت ،لكنك في الحقيقة لم تفشل بل أن خبرتك المحدوده لم تستكشف لك حقيقة انتصارك الذي تجهله فلا تتابعه ولا تحصد نتائجه عندما يخرج الطرف الآخر من النقاش مقتنعا بوجهة نظرك حتى وان لم يصرح بذلك ويؤدي عدم إدراكك لذلك ألى ضياع جهود وفرصة لم تتحقق بسبب عدم متابعتها ونصرا لم تدركه..
تحتاج الكلمه لتفعل فعلها فهما من المخاطب (بكسر الطاء) للمخاطب(بفتح الطاء) ومعرفة هواجسه وظروفه ولنقل مفاتيحه اي مكامن التاثير عليه مع معرفة عميقة بالوضع السياسي والاجتماعي للمكان الذي تكتب فيه الكلمات وزمانها..الكلمات (ساهمت) في اسقاط انظمة وتحرير شعوب وصنع حضارات لكن ذلك لم يكن ليحدث لولا الفعل الذي تحركه الكلمات ولولا تحديد مكان هذه الكلمات وتوافقها واتساقها وتنسيقها مع الفعل..
قبل ايام كتبت هنا مقالا عن تداعيات اغتيال إيهاب الوزني وإطلاق سراح المتهم الاول بجريمة الاغتيال وأداء السيده أم إيهاب ونشاطها بعد إغتيال ابنها وتوقعت أن يكون لحادث الاغتيال وبالذات لاطلاق سراح قاسم مصلح آثار سلبية يندم بعدها الذين يقفون خلف مصلح على إغتيال إيهاب بل وحتى على إطلاق سراح مصلح،وبالطبع فإن توقعاتي ومدى تحققها لازالت في علم الغيب لكنني الآن أؤكدها فحرب الكلمات قد بدات وثمة من يجيدها ممثلا بكلمات ورمزية السيده الوزني التي تتصاعد وتفرض نفسها ليس فقط بإجادتها حرب الكلمات وإنما بسوء تصرف السلطات . وسوف لن يطول الوقت كثيرا لنرى ولأول مره ثمنا من نوع ما يدفع عن أغتيال الوزني يتكبده القتله او من يقفون خلفهم أو رعاتهم السياسيين،قد لايكون الثمن هو الذي نطمح اليه ولا يحقق العداله لكنه قد يفتح ثغره يمكن النفاذ منها والبناء لمرحلة قادمة من كفاح شعبنا الطويل ضد طغاته..
ستزهر الكلمات مجادة الصنع والصياغه عميقة المعاني حبا وقوة إذا ثابر كاتبوها على الكتابه ومتابعتها وتحولت إلى عمل دؤوب لا يكل ولا يتبرم من طول الطريق.

نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.