.
.
.
.

خواطر في الصحراء: التجدد في التأسس

سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

لماذا هذا الفارق الهائل بين مدرسة الخيمة والمدرسة الحربية؟ ما سرّ هذا الفرق المذهل والمثير والمريع في مسافة ثلاث ساعات بين بيروت وجدة؟ بين المتوسط الأزرق العذب ورطوبة البحر الأحمر؟ لماذا تزداد الدنيا خصوبة وطمأنينة كلما تقدمت في الصحراء؟ لماذا يصير كل شيء أفضل كلما بعدت عن بيروت نحو بلاد «البدو»، كما تأفف منها وزير خارجية لبنان؟
هناك ألف جواب وسرد يحتاج إلى ألف يوم ويوم. دعنا نكتفي بواحد: لأن البدو بنوا دولة والحربية بنت عسكراً وانقلابات وقهراً وسجوناً وجلّادين بلا حدود. تاهت جيوش فلسطين في الصحراء. وأمس شاهدت صورة رائعة للقطار الكهربائي الذي يقطع 1400 ميل في صحاري الإمارات، يغني وحيداً في الفلاة، لا كثبان ولا قطعان، العلم الياباني محل سراة الليل وحداء الليالي الطويلة.
أول عمل عمله الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن أنه بنى في هذه البطاح دولة بين الخيام. دولة في الفيافي والبوادي ومضارب البدو. ومن بعده بنى عبد الله السالم الدولة في الكويت. والآن يُحتفل بمرور 50 عاماً على بناء دولة زايد في الإمارات.
أدرك المؤسسون بحكمة البادية وصلابة البدو أن لا وطن من غير دولة. على بعد ثلاث ساعات من جدة، تركت بلداً لا دولة فيه. أي لا أمل ولا حياة. كل شيء فيه على الحضيض. كل طريق مقطوع. كل خطر ماثل أو آتٍ. كل يأس معلن. كل حزن عام.
بعد مائة عام على دولة عبد العزيز بن عبد الرحمن، يجددها اليوم محمد بن سلمان، ليس فقط في ترسيخ الجذور، بل في النهوض بمستقبل يكاد يبدو نوعاً من الخيال، لولا أن الفارق بين الخيال والرؤية، هو كالفارق بين الدولة والعسكر.
يجدد الأمير محمد بناء الدولة الكبرى، مزوداً إمكانات غير مسبوقة في حياة الأمم. ولذلك، تبدو ورشة العمران والتوسع والتطوير في أنحاء المملكة مثل دورة الليل والنهار. وكان الملك سلمان يُسأل قبل سنين «ألا يتسرع الأمير محمد في طموحاته»؟ فيجيب، حفظه الله، «إنه نسخة عني يوم كنت في عمره».
وفي وجوه الشبه الأخرى أن ساعات العمل هي ساعات الليل والنهار. والدولة هي الأمانة الكبرى، لأنها مسؤولية الشعب والأرض. أما المتغير الأساسي والطبيعي فهو هذا الدخول السريع إلى عصر الحداثة. وتبدأ في الشعور بذلك من المطار ومواجهات «كورونا». وفي مراكز شركة الاتصالات يبدو الجو والتنظيم والتكنولوجيا كأنك في سويسرا بعد 20 عاماً.
كل هذا العالم جديد علي ولا أعرف عنه شيئاً. لكنني أجد دائماً من يهب إلى مساعدتي، لأن عادات «البدو» لم تتغير يا معالي وزير الخارجية.
من نافذتي في فندق «روز وود» جدة، أشاهد مبنى آخر يقام على البحر. لا أعرف كم طابقاً؟ وكم شاهقاً ولا على أي ارتفاع في السماء يشتغل هؤلاء العمال. كل ذلك يصغر أمام الخبر المذهل.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.