.
.
.
.

مأزق الإعلام «الإخواني»

يوسف الحداد

نشر في: آخر تحديث:

رغم أن قرار تركيا الأخير قبل أيام بوقف البرامج السياسية لعدد من الإعلاميين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين يمثل ضربة قوية للجماعة ومنظومتها الإعلامية، إلا أن الحكم على فاعلية هذا القرار تتوقف على مدى تنفيذه بالفعل، خاصة أن هذه ليست المرة الأولى التي تتخذ فيها السلطات التركية مثل هذا الإجراء، فقد سبق وأن أعلنت في مارس الماضي، عن إجراءات مماثلة، حينما طلبت من القنوات «الإخوانية»، التي تبث من أراضيها التوقف عن مهاجمة الدولة المصرية، وقصر تغطياتها على الشؤون الترفيهية والمنوعات، إلا أن هذه القنوات لم تلتزم بهذه الإجراءات، وسرعان ما عاودت شن هجومها على النظام المصري، وواصلت نهجها التحريضي ضد الدولة والتشكيك في إنجازاتها.
في حال أصرت السلطات التركية هذه المرة على التزام القنوات الفضائية «الإخوانية» بالتعليمات الجديدة، والتوقف عن التحريض السياسي وبث خطاب معادي للدولة المصرية، فإنها ستفاقم من مأزق جماعة الإخوان المسلمين، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار الأهمية المركزية التي توليها الجماعة للإعلام، باعتباره من أهم أدوات تنفيذ مشروعها الفكري والسياسي، كما سيترتب على هذه التعليمات خسارة الجماعة لأهم حاضنة، سياسية وإعلامية، كانت تمثل بالنسبة لها الملاذ الآمن طيلة السنوات الماضية، وأهم عوامل بقائها بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013، حينما فرت معظم قيادات الجماعة والعديد من كوادرها الشابة إلى تركيا، التي قدمت لهم العديد من التسهيلات وساعدتهم على تكوين «إمبراطورية إعلامية»، تضمنت العديد من القنوات الفضائية والمواقع والمنصات الرقمية، كي تكون المنصة التي تدافع بها الجماعة عن نفسها من ناحية، ومهاجمة النظام المصري، والتحريض عليه، وتشويه صورته، من ناحية ثانية، وذلك في محاولة للعودة مجدداً إلى المشهد السياسي.
إذا أثبتت تركيا أنها جادة في فرض قيود صارمة على منظومة الإعلام «الإخواني»، التي تبث من أراضيها، فإنها بذلك تكون وجهت ضربة قاسمة لجماعة «الإخوان»، لاعتبارات عديدة، أولها أن عملية البحث عن حاضنة بديلة عن تركيا ربما تستغرق بعض الوقت من الجماعة، وهذا من شأنه إضعاف- إن لم يكن تجميد- المنظومة الإعلامية للإخوان مؤقتاً، وعجزها عن القيام بدورها في مواكبة أهداف الجماعة. وثانيها تنامي حالة القلق العربي والدولي من الخطاب الإعلامي لجماعة «الإخوان»، والذي ينطوي على تهديد واضح للدولة الوطنية، وهدم مرتكزاتها، فضلاً عن معاداته لقيم التسامح والتعايش، ولعل هذا يفسر تحرك بعض الأوساط السياسية والأمنية في أوروبا في شهر نوفمبر 2020 لمطالبة شركتي «جوجل» و«آبل» بحذف تطبيق «يورو فتوى» من متجريهما، بعد اتضاح حقيقة أن هذا التطبيق يروج لتطرف جماعة «الإخوان» في أوروبا. وخطورة هذا التطبيق لا تكمن فقط من كونه يحث على عدم الالتزام بالقانون في الدول الغربية ويستهدف الشباب والمراهقين، ويسعى إلى اختراق المجتمعات الأوروبية، وإنما أيضاً من تزايد الإقبال عليه، حيث لا يزال يحتل مراكز متقدمة من بين أكثر التطبيقات استخداما في عدة دول أوروبية. وثالثها التحركات الأوروبية الأخيرة التي تستهدف تقييد الأنشطة الإخوانية في العديد من الدول الأوروبية، ففرنسا على سبيل المثال حذر مجلس الشيوخ في العام 2020 من تغلغل «الإخوان» في جميع جوانب الحياة الاجتماعية مستفيداً من أجواء الحرية الفردية، وطالب بفرض رقابة على الأنشطة الإخوانية، فيما فرضت الحكومة النمساوية رقابة على أنشطة جماعة «الإخوان»، وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي التابعة لها وتوثيق علاقاتها بنشر التطرف.
مأزق الإعلام «الإخواني» هو أحد جوانب الأزمة الشاملة التي تواجه جماعة «الإخوان» بوجه عام، وهي أزمة مركبة تطال شرعية الجماعة وقدرتها على التأثير والحركة، نتيجة ما تعانيه من صراعات داخلية بين قياداتها من ناحية، وفشل رهانها على الاستفادة من التطورات الإقليمية والدولية من ناحية ثانية، وهي تطورات لم تعد مواتية لعودة جماعة «الإخوان» إلى المشهد السياسي بعدما انكشف مشروعها لجميع شعوب المنطقة، التي باتت على قناعة اليوم أن هذا المشروع يقف وراء حالة الفوضى التي تشهدها العديد من دول المنطقة.

*نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.