من يبكي على لبنان؟

محمد الرميحي
محمد الرميحي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

قد يكون بعيداً من المهنية أن تكتب عن لبنان وأنت بعيد عنه، لا تعاني ما يعانيه أهله من أوضاع لا تقبل التوصيف، نتيجة ما يرد في الفضاء السبراني من أخبار تكاد تكون (مُقطعة للقلب).

ما تشاهد وتتابع من صور ويصلك من معلومات يدفعك كبشري الى التساؤل: متى سيخرج اللبنانيون عن بكرة أبيهم الى الشارع ويبقون فيه حتى تتغير الأحوال؟ وهل يمكن أن تتغير الأحوال؟ ولن يصدقك أحد لو قلت إنه عام 1963 فقط نشرت صحف العالم أن لبنان رابع أكبر دولة ازدهاراً في العالم!! اليوم مجلة "التايمز" الأسبوعية وضعت على غلافها عنواناً صادماً يقول إن المافيا يمكن أن تتكون في أي بلد، ولكنها في الغالب سرية، إلا في لبنان، فإن من يحكم ويتحكم في البلد علناً هي المافيا نفسها. ربما ذلك التوصيف أقرب الى ما هو موجود اليوم في لبنان. وتجد وسائل الإعلام اللبنانية، أو الكثير منها، وبخاصة المشاهدة، مشغولة مع من تستضيفهم في مناقشات توحي الى المتابع بأن كل شيء في لبنان على ما يرام، والمشكلة في هذا السياسي أو ذاك (يعتمد الى أي قبيلة سياسية ينتمي الضيف). في الشارع لا دواء حتى أبسطه، ولا وقود حتى أقله، ولم يعد أحد يعرف إن كان هذا الطابور أو ذاك هو لشراء الخبز أو الدواء أو لتعبئة قليل من الوقود في السيارة، في مفارقة قاتلة تذكّر المتابع بما نقل عن ماري أنطوانيت (إذا لم يجدوا الخبز فعليهم بأكل الكعك)! وحتى في ذلك الزمن المظلم الذي رسمه فكتور هوغو في رائعته "أحدب نوتردام" التي وصفت باريس قبل الثورة الفرنسية، كان هناك كعك يمكن الحصول عليه، في لبنان حتى ذاك لم يعد موجوداً. في "أحدب نوتردام" قرر الرعاع أن يختاروا بابا لهم هو الأقبح، فأقاموا مسابقة بإخراج الرؤوس القبيحة من فتحات من أجل اختيار الأقبح، والرمز هنا واضح ويبدو أن لبنان حتى (الأقبح) غير مكترث بما يدور حوله، ولو كان لشاهد هذا الجمهور الذي يتكالب من كل (البيئات) السياسية المختلفة على الطوابير، والكثير منهم لا يستطيع أن يحصل حتى على بعض حاجته أو حليب أطفاله! ولكن يبدو أن المضامين الإنسانية التي تعارف عليها البشر قد نزعت من قلوب قيادات الطوائف!

يمكن أن تجد مبرراً، ولو بعيداً وقسرياً، للوضع المزري الذي يعيشه السوري، حرب أهلية ودمار وقمع للحريات، ويمكن أن تجد مبرراً ولو طفيفاً للوضع المزري في اليمن، أيضاً حرب أهلية ودمار وتسلط وقمع للحريات. في لبنان حريات أوسع نسبياً وتجد الدمار نفسه، بل وأسوأ منه! وتتساءل: كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ طبعاً من دون تجاوز لسياسة (كاتم الصوت أو المفجر) والذي يستخدم من بعض المافيات السياسية ضد الخصوم وبشكل انتقائي وتحذيري للغير، غير ذلك فإن المتاح من الحريات النسبية لا يساعد على تكوين تيار وازن لرفض هذا الواقع الذي يزداد تردياً، والذي يهرب فيه من يستطيع بماله أو خبرته الى الخارج، ويبقى من لا يستطيع إما (ملتزماً بما يقال له) أو صارخاً في الشارع من دون أن يسمعه أحد.

ربما في التحليل الاجتماعي الذي يتجاوز الأشخاص والمسميات، أن السر في التعايش مع هذا العسف والوضع الاقتصادي والمعيشي المتدهور، هو أن المجتمع اللبناني مهما حاولت بعض نخبه المستنيرة أن تنظر له، مجتمع منقسم عمودياً لا أفقياً، فعلى الرغم مثلاً من وضع العامل اللبناني المسيحي كما هو وضع العامل اللبناني المسلم (من كل الاجتهادات)، إلا أن المصالح المشتركة بينهما لا تتواءم، لأنه في نهاية النهار، يبقى كل منهما متشبثاً بطائفته وزعيمه، يرى كل السوءات في الزعيم الآخر، وكل الحسنات في زعيمه، ومستعد لأن يقاتل من أجله.

يستغرب المتابع أنه بعد كل هذه المسيرة التعليمية ووجود كل تلك العقول النيرة التي أضاءت على العالم، وكل أولئك المهنيين الرفيعي المستوى في لبنان وفي الشتات، لم يصل الوعي الجمعي اللبناني الى تغير الاصطفاف الاجتماعي والمصلحي من العمودي الى الأفقي، لذلك فإن زعماء الطوائف يضمرون لكل أتباعهم أنك إن لم تكن معي فأنت في مهب الريح، لن يقبلك أحد خارج طائفتك، وهو ما نشاهد من خلال إبقاء ذاكرة الكراهية بين الطوائف حية، الأمر الذي أدى الى خفوت المواطنة وتحول الولاء إما الى ما دون الدولة أو ما فوق الدولة، وتعزيز الوعي الكاذب بأن (هناك حقوقاً للفرد داخل الطائفة ولا حقوق له خارجها). لعل هذا التفسير السوسيولوجي يضيء على الأقل جزئياً ما يمكن أن يعرف بالمعضلة اللبنانية، والتي تذكر المصادر الدولية أنها من أكبر أزمات العالم في تاريخ القرن والنصف الماضيين! في الغالب، فإن المؤسسات اللبنانية سوف تتآكل، وحتى المحاولات الحثيثة الدولية لإبقاء رأس الجيش اللبناني فوق سطح الماء، هو فعل موقت وتخديري، أما بقية المؤسسات فقد تفكك بعضها والأخرى في الطريق، ويأتيك من يقول إن (المسألة اللبنانية) هي إقليمية وما هي إلا مظهر من (حروب الآخرين على أرض لبنان). تلك إبر تخديرية أخرى فقط لتأكيد الاصطفاف العمودي وتعميقه، فها هو العالم يسعى الى تنظيم نفسه والمجتمعات تضع لها مرجعيات حاكمة تبقيها خارج الأزمات المهلكة، إلا الوطن اللبناني الذي يتباكى الكل على علمه، وفي الوقت نفسه يمزقه في الأزقة المظلمة، والأمل طفيف في أن تخرج كتلة وازنة خارج الطوائف، ولعل ما يبقى هو الشعار الذي أطلقه أحد الفقراء وفاقدي الحيلة (أنا مش كافر الجوع كافر)!

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط