.
.
.
.

الكاظمي بين إصلاحاته المؤجلة والقطيعة مع الأحزاب

فاروق يوسف

نشر في: آخر تحديث:

فشلَ رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في تنفيذ الإصلاحات التي وعد بها وكان ذلك الوعد سُلّمه للوصول إلى منصب رئاسة الحكومة بعد أن عجزت الأحزاب المهيمنة على السلطة عن فرض مرشحيها على المتظاهرين الذين أسقطوا حكومة عادل عبد المهدي.

نجاح الكاظمي في احتواء التظاهرات وتهدئة الشارع العراقي من خلال التقرب من عوائل الناشطين الذين يتم اغتيالهم وإعلان رغبته في القصاص من القتلة لا يعني أنه مشى شوطاً مهماً في طريق تثبيت شخصه رئيساً للوزراء بعد الانتخابات المقبلة في تشرين الأول (أكتوبر) 2021 التي يمني النفس في أن يتلقى مكافأته من خلالها.

إخفاق الكاظمي في إنجاز الإصلاحات التي انتظرها المحتجون وطالبوا بها يكشف عن ضعفه الذي هو انعكاس طبيعي لضعف الدولة في مواجهة الميليشيات التي تمثل قوى اللادولة التي يديرها الفاسدون الذين سبق لهم أن أداروا لسنوات الدولة وانحرفوا بها في اتجاه ما يُسمى بالدولة العميقة فصاروا يديرون الدولة حتى وإن فقدوا مناصبهم الرسمية.

ما إن تسلم منصبه، حتى دخل الكاظمي في حرب صامتة ضد الأحزاب وهي حرب كان يعرف أنه سيخرج منها خاسراً. ذلك لأنه خاضها ضد الدولة العميقة. تلك دولة كان من حسن حظه أنه يعرف خفايا دروبها السرية في المتاهة العراقية التي هو ليس غريباً عنها باعتباره رئيساً سابقاً لجهاز المخابرات.

"رجل أميركا في العراق" تلك هي صفته التي أُريد لها أن تفسد مظهره المستقل. فهل كان لتلك الشبهة أثر سلبي في مستوى انحسار شعبية الكاظمي بالرغم من أن خصومه في الأحزاب لم يعودوا مطمئنين إلى أن مرشحيهم سيذهبون بيسر إلى مجلس النواب بغض النظر عن حجم المشاركة الجماهيرية في الانتخابات؟

في واقع الأمر فإن الكاظمي لم يستفد كثيراً من تلك الشبهة في تمتين علاقته بالشعب الذي صارت فئات كثيرة منه تميل إلى "أمل ولو كان ضئيلاً في حل أميركي" سيدو خيالياً غير أنه يظل مريحاً في مقابل واقع ظلامي تقترحه الميليشيات مسنودة من إيران.

رئيس الوزراء الذي لا تتذكره الولايات المتحدة إلا عندما يحين موعد الاجتماع الدوري بين طرفي الاتفاق الاستراتيجي الأميركي - العراقي لا يُظهر تمسكه بمنصب رئيس الوزراء مقابل ما يتيحه ذلك المنصب خلال الأشهر القادمة من إمكان لمحاربة الفساد الذي اعترف بأن جذوره تعود إلى المرحلة التي حكم فيها نوري المالكي والممتدة من 2006 وحتى 2014.

لقد انتهت تلك المرحلة بكارثة احتلال تنظيم "داعش" ثلثي مساحة العراق. تلك قناعة لن يشاركه فيها أحد من المتحمسين لاستمرار النظام الطائفي وتكريسه باعتباره الصيغة المثلى للحفاظ على مصالح المكونات التي احتكرت الأحزاب تمثيلها منذ عام 2003.

وبناء على ذلك فإن الخلاف بين الطرفين يتعدى قضية الفساد في صوره المكشوفة حيث صار كل شيء خاضعاً لشروط "تطبيع الفساد" إلى محاولة اجتثاث بعض جذور الدولة العميقة وهو ما لا يُسمح به في ظل تمدد فصائل "الحشد الشعبي" خارج دائرة وجودها العسكري المباشر وهيمنتها على أجزاء من مفاصل الدولة ولو بأسلوب غير مباشر.

الأحزاب في حقيقة أمرها لا تدافع عن وجودها السياسي في السلطتين التشريعية والتنفيذية الذي يسعى المحتجون إلى تقليص مظاهره وقوة تأثيره فحسب، بل وأيضاً عن امتداد مصالحها داخل الدولة من طريق تمكين قوى اللادولة من الهيمنة على القرار السياسي بما يحجم من صلاحيات الحكومة ورئيسها وبما يحول الدولة إلى غطاء رسمي للفساد.

فإذا كان الكاظمي قد رفض الاستمرار في أن تكون الحكومة مجرد واجهة هي عبارة عن سطح يتلقى الصدمات الموقتة، فإن سعي الأحزاب إلى تمكين قوى اللادولة من الاستيلاء على الدولة من أجل حماية الدولة العميقة هو العقدة التي يصطدم بها أي رئيس وزراء يحاول أن يحرر حكومته من القيود المسبقة التي تحافظ من خلالها الأحزاب على مصالحها.

ذلك ما جرى للكاظمي ومنعه، ليس من ملاحقة الفاسدين ومساءلتهم فحسب، بل وأيضاً من الاقتصاص من القتلة. ففي العراق يتسابق الفاسدون لحماية القتلة في ما يتسابق القتلة في وضع أنفسهم في خدمة الفاسدين. ما يُضحك في مشهد الكاظمي الذي لا ينبغي أن يكون على هذه الدرجة من الرثاثة أنه يقود حكومة في دولة يتقاسمها الفاسدون والقتلة وهو يمشي على خط مستقيم لا يُسمح له بالخروج عنه. أما لو حاول الخروج عنه فإن ردود الفعل مهما كانت مبتذلة فإن أحداً لن يُعاقب لأنه أساء التصرف وأهان رئيس الحكومة، القائد العام للقوات المسلحة.

أمر مؤسف فعلاً أن ينتظر الكاظمي الانتخابات بصورته مشاركاً في استعراض "الحشد الشعبي" احتفالاً بذكرى تأسيسه السابعة. سيُقال له "أنت معهم إذاً ولست معنا" هل سيربح شيئاً؟

هناك تناقض واضح ما بين الدعوة إلى شن الحرب على رؤوس الدولة العميقة وممثليها، وبين الادعاء بوجود إمكانية ميسرة لاحتواء قوى اللادولة وهي القوى التي تعلن باستمرار خروجها على القانون وعدم اعترافها بحق الدولة في أن تضبط سلوك الفصائل المسلحة في سياق لا يضر بعلاقاتها الدولية ومصالح شركائها.

ذلك تناقض يشير إلى ضعف سلطة القرار وهو ما سيدفع الكاظمي ثمنه عندما تحين اللحظة التي يجد فيها نفسه وقد خسر الخيارين. فلا هو ربح الشعب في احتجاجه ولا استطاع أن ينجو من مكائد الأحزاب.

*نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.