.
.
.
.

بايدن لإيران: إنما للصبر حدود

إبراهيم الزبيدي

نشر في: آخر تحديث:

الثابت والمؤكد أن الرئيس الأميركي جو بايدن لم يقصّر في محاولة ترضية النظام الإيراني، وإعادته إلى الحظيرة الأوبامية، وإعادة أمواله المجمدة لدى الولايات المتحدة أو لدى حلفائها في أوروبا وآسيا، وإلغاء الكثير من عقوبات ترامب الخانقة، والتساهل معه في ملفات انتهاكاته لحقوق الإنسان، ونشاطاته الإرهابية في المنطقة، مقابل التوقيع، والالتزام بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، على الأقل لعددٍ قادم من السنوات.

ولكن المرشد الأعلى علي خامنئي لم يترك له خيارا سوى هذه الحزمة من الصواريخ المفاجئة الحارقة الماحقة التي أطلقها الجيش الأميركي يوم الأحد الماضي على معسكرات حزب الله العراقي وكتائب سيد الشهداء على الحدود السورية العراقية، وبأمر منه شخصياً.

فقد طمع بأكثر مما يستطيع بايدن أو غيره أن يعطيه، وتمادى إلى أبعد الحدود في هجمات التحدي والمشاكسة والتحرش التي أصبحت تحرج الإدارة الديمقراطية، ليس مع معارضيها الجمهوريين، فقط، بل مع شريحة واسعة من النواب والشيوخ الديمقراطيين.

فقد ضاعف عمليات إطلاق المُسيّرات المتطورة نحو المواقع الأميركية في العراق وسوريا، والتي يؤكد مسؤولون أميركيون أن “في إمكانها أن تهرب من المراقبة والدفاعات الأميركية”. ففي وقت سابق من هذا الشهر انفجرت طائرة مسيّرة في مطعم يقع عند أحد مداخل مطار بغداد يستخدمه جنود ودبلوماسيون أميركيون. وفي أبريل الماضي ألحقت طائرة مسيّرة أضرارا بحظيرةٍ للطائرات المسيَّرة تابعةٍ لوكالة المخابرات المركزية الأميركية بالقرب من أربيل.

واعتبر تقرير للمخابرات الأميركية ذلك تصعيدا صريحا من جانب إيران، ومؤشرا مقلقا يُظهر الولايات المتحدة وكأنها لم تعد تتمتع بالاستقلالية والاحترام.

ولعل أكبر أخطاء النظام الإيراني أنه، بهجماته الغبية هذه يتوهم أنه قادر على طرد أميركا من العراق، ثم من شرق سوريا، وإجبارها على ترك طريق هلاله الشيعي الفارسي مفتوحا، ذهابا وإيابا، من طهران إلى بيروت، عبر خطيْ نينوى والأنبار، برضاها أو بعدم رضاها، مقابل تسهيل مهمة الرئيس الأميركي في مفاوضات فيينا، ومكافأته باتفاقية نووية يريدها ويتلهّف لتوقيعها، ولكن دون تعديلات جوهرية، وبعد رفع جميع العقوبات، والانتظار إلى حين التأكد من رفعها كاملة ودون مماطلة.

وينسى المرشد الأعلى وأعوانه أنّ أيّ رئيس أميركي، سواء كان بايدن أو ترامب أو غيرهما، لا يملك القدرة على إخلاء الساحة العراقية، تحديدا، لإيران ولا لغيرها، لا الآن ولا غدا ولا بعد عمرٍ طويل.

فأميركا لن تترك العراق، رغم كل الظروف والمصاعب والتضحيات. وذلك أولا، لأن الموقع الجيوسياسي العراقي ضروريٌ وملحّ لمصالحها في المنطقة، وثانيا لأنها لا تستطيع أن تشطب من تاريخها السياسي والعسكري والاقتصادي ما أنفقته، من أجل امتلاكه، من دماءٍ ومليارات وجهود مضنية، ليس من بداية غزوها للعراق عام 2003 فقط، بل من قبل ذلك بسنين، وبالتحديد من أول أيام غزو الكويت وما نتج عنه من تطورات تزامنت مع حربها لتحرير الكويت، وأهمُّها قرارُ احتضانها المعارضةَ العراقية السابقة، حتى وهي تعلم بأنها معارضة عراقية في ظاهرها، ولكنها إيرانية خمينية، بمشاركة سورية أسدية، في حقيقتها.

وقد جاء الاستعراض العسكري الأحمق الأخير الذي أقامه الحشد الشعبي في العراق، وفي معسكر أشرف الذي كانت تشغله المقاومة الإيرانية، مجاهدي خلق، في ديالى، والذي عرض فيه أحدث أسلحته المتطورة وأخطرها، ليبرهن على حماقة النظام الإيراني الذي لم يحسب أن استعراضا بهذا الحجم وبهذا النوع وفي هذا التوقيت لا بد أن يُغضب أميركا وإسرائيل وأوروبا، وأن يحرجها كثيرا أمام شعوبها، خصوصا وأن ذلك كله يأتي في أدق مراحل مفاوضات فيينا حول الملف النووي. الأمر الذي جعل الرئيس الأميركي يدرك صعوبة التفاهم مع نظام تَعوَّد على الابتزاز والاحتيال والمكابرة والطمع الزائد، فأصبح مؤمنا بالمثل القائل، إن كان حبيبك عسل.

وهذا ما يفسر الإعلان الخطير المفاجئ الذي أعلن فيه بايدن، في اجتماع مع نظيره الإسرائيلي ريئوفين ريفلين، في البيت الأبيض، أن “إيران لن تحصل أبداً على سلاح نووي وأنا في السلطة”.

وتأتي الغارات الأميركية الأخيرة التي استهدفت ميليشيات تابعة لإيران على الحدود العراقية – السورية لتكون رسالة أميركية متشددة للقيادة الإيرانية تنبئها فيها بأن صبر الإدارة الأمريكية يقترب من النفاد، وقد تضطر إلى العودة إلى عصا الرئيس السابق دونالد ترامب، إن لم تُوقف، فورا ونهائيا، تحرشاتِ ميليشياتها بالقوات الأميركية، وأن تكف عن المماطلة في فيينا، وإلا فإن الردع العاجل والمؤذي سيكون هو لغة الحوار المعتمدة في الفترة القادمة.

ويبدو أن صواريخ يوم الأحد الماضي لم توفق في ترويض النظام الإيراني، وإعادة عقله إليه. فالعنجهية والمقامرة والحسابات الخاطئة دفعت به إلى المزيد من التحدي الجديد، حيث أقدم على إطلاق صواريخ جديدة على منشأةٍ تضم قوات أميركية بالقرب من حقل العمر النفطي، في شمال شرق سوريا، الأمر الذي جعل قوات الجيش الأميركي ترد بقصف صاروخي آخر استهدف المواقع التي أطلقت منها الصواريخ.

وبطبيعة الحال فإن التصعيد يستتبع التصعيد، ومن المتوقع أن يفقد بايدن، كليا ونهائيا، آخر آماله في جعل الولي الفقيه يجنح إلى المفاهمة، فيرتدي، مضطرا، عباءة خصمه ترامب، وقد يكون أشد ضراوة وأكثر قسوة من ترامب على النظام الذي خسر الخيط، وسيخسر العصفور في النهاية.

*نقلاً عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة