الصيف الطويل ومستقبل الحضارة الإنسانية

إميل أمين
إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

في مؤلفه الشيق المعنون "الصيف الطويل ..دور المناخ في تغيير الحضارة"، يضعنا براين فاغان، عالم الإنسانيات وأستاذ علم الأنثروبولوجيا في جامعة سانتا بارباره في ولاية كاليفورنيا، أمام عدد من التساؤلات الجوهرية التي تتعلق بالعلاقة بين الحضارة البشرية، وبين أحوال المناخ، لاسيما ما يطلق عليه الصيف الطويل، أي ارتفاع درجات الحرارة معظم فصول السنة، وهو ما نراه حادثا بالفعل في حاضرات أيامنا. تطرح موجة ارتفاع درجات الحرارة حول الكرة الأرضية هذه الأيام علامات استفهام حول مستقبل البشرية إن استمرت أو استقرت حرارة الأرض عند منسوبها الحالي، فكما أن تقلبات المناخ لها دورها في تطور تاريخ البشر وقيام وازدهار حضارات وثقافات وعقائد، كذلك فإن لها دورها أيضا في انهيار دول وحضارات بأسرها.

والشاهد أن البعض يحاجج أن ما يجري حاليا من احترار هو جزء من الدورة الطبيعية لتغير المناخ الكوكبي لا نهاية له، إلا أن معظم العلماء واثقون من أن وجود احترار كوكبي بفعل الإنسان هو أمر واقع.

والثابت كذلك أنه تكشف في السنوات المئة والخمسين الماضية وجود احترار كوكبي، وهذه فترة أطول من أي فترة من هذا النوع خلال الألف سنة الماضية. نحن نتحدث إذن عن ظاهرة الاحتباس الحراري، وهو اصطلاح يطلق على احترار سطح الكرة الأرضية بسبب احتباس الأشعة ذات الموجة الطويلة بفعل غازات مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان، وتمنع هذه الغازات انعكاس الحرارة من الأرض إلى الجو، ويشبه ذلك احتباس الحرارة في بيت النباتات الزجاجي لتوفير الدفء للنباتات.

ينتج الاحتباس في الأصل من أعمال الإنسان وتصرفاته الطائشة، من قطع الأشجار، ثم إخلاء الأرض من دون تخطيط، مرورا بالزراعة بمقاييس صناعية تزعج التربة ذاتها، ثم استخدام الفحم والنفط وغيرهما من أنواع الوقود الأحفوري، ما رفع من مستوى غازات الاحتباس الحراري في الجو، ليصل إلى ارتفاع قياسي في إسهامه في الاحترار.

ليس سرا القول إن علاقة الإنسان بالمناخ بدأت منذ بدايات الزراعة الأولى قبل 12 ألف سنة مضت، والناس من وقتها يعيشون تحت رحمة دورات من مناخ أبرد وأكثر مطرا، أو أدفأ وأكثر جفافا.

اعتمد بقاء الإنسان حيا على غلة المحصول، وعلى أن يكون لديه بذور تكفي للزراعة في السنة التالية، وبات من المقطوع به أن علاقة البشر بالبيئة والطبيعة وبالتغير المناخي على المدى القصير، هي علاقة متقلبة دائما، الأمر الذي يقودنا إلى خلاصة مفادها أن إهمال أمر المناخ يعني عدم النظر إلى إحدى الخلفيات الدينامية للخبرة البشرية عبر التاريخ الإنساني الطويل.

العديد من الأسئلة تواجه الإنسانية في الأسابيع الأخيرة خاصة في ظل درجات الحرارة غير الاعتيادية، وما السبب وراء ما يحدث.

خذ إليك الأحوال المناخية للمناطق الساحلية في شمال غرب المحيط الهادي والتي شهدت أسوأ درجات الحرارة القياسية، بينما لا يزال الملايين شرق واشنطن وأوريغون يتلقون تحذيرات بشأن الحرارة في قادم الأسابيع.

ومن ناحية أخرى فقد تسببت موجة الحرارة عينها في الإبلاغ عن مئات الوفيات في جميع أنحاء شمال غرب المحيط الهادي وكندا، وبلغت في الأخيرة أكثر من خمس مئة حالة في بضعة أيام.

تساؤل أكثر إثارة للخوف والهلع: "هل كان تغير المناخ سببا في انهيار المبنى السكني الكبير في مدينة ميامي بولاية فلوريدا، والذي راح ضحيته العشرات من الأميركيين؟

في تقرير أخير لصحيفة الغارديان البريطانية نقرأ كيف أن الانهيار المروع لمبنى مكون من 12 طابقا في منطقة ميامي بولاية فلوريدا، أثار تساؤلات حول الدور الذي لعبته أزمة المناخ، وما إذا كان الضعف الشديد لجنوب فلوريدا أمام ارتفاع منسوب البحار، قد يؤدي إلى تهديد المزيد من المباني في منطقة ميامي في المستقبل.

يدرك المراقبون لأحوال القطبين الشمالي والجنوبي، وحتى من غير الاختصاصيين في علوم المناخ، أن هناك حالة من ذوبان الجليد، وانفصال كتل جليدية بحجم دول بعينها، يؤدي إلى ارتفاع منسوب المياه في البحار والمحيطات الأمر الذي ينعكس بصورة مؤكدة على اليابسة، ويتسبب في تسرب مياه جوفية كفيلة بانهيارات مماثلة في مختلف بقاع وأصقاع العالم.

مؤخرا أظهرت دراسة حديثة أجرتها جامعة يونيفرسيتي كولدج لندن أن الكتل الجليدية قبالة سواحل المحيط المتجمد الشمالي تذوب بسرعة أعلى بمرتين مما تشير إليه التقديرات الحالية، في خلاصات تعزز المخاوف بشأن التغير المناخي.

البشرية اليوم أمام تساؤلات جدية وجذرية: ما السبب، وكيف يمكن أن تتجنب مثل هذا المصير المؤلم إذا استمر الصيف الطويل؟

هناك علاقة ما حكما بين الرأسمالية المتوحشة وغير العقلانية، وبين الآثام التي ترتكب في حق أمنا الأرض، وهذه حقيقة وليس هواجس عند الفريق الرافض لتسليع الإنسان من النشطاء والخبراء.

ما يجري يتطلب منا أن نبحث ونتعلم عن جذور تقلبات المناخ الكوكبي، وأن نحافظ على أن تبقى سماؤنا نقية من فرط الزيادة في غازات الاحتباس الحراري.

المطلوب وفي عجالة هو تبريد درجة حرارة كوكب الأرض، وقد اقترح البعض من عينة بيل غيتس، رجل التكنولوجيا الأشهر، نشر غبار الطباشير حول الغلاف الجوي لمنع وصول الأشعة الضارة من خارج الأرض.

وهناك من طرح فكرة إقامة آلاف المحطات البيئية التي تمتص ثاني أكسيد الكربون في مختلف أنحاء العالم. غير أن المقترحات من غير إرادة سياسية حقيقية لاستنقاذ الكوكب الأزرق لن تفلح في الفكاك من المصير المحتوم الذي ينتظر الجميع.

لم يظهر القادة السبع الكبار في قمتهم الأخيرة في بريطانيا ما يكفي من نوايا لتغيير المشهد، فكل متمترس وراء مصالحه الاقتصادية، فيما تراجعت الولايات المتحدة عن فكرة الإسهام بـ 100 مليار دولار كل عام للدول الفقيرة لمساعدتها على تخطي آثار مكافحة التغير المناخي.

أما عن معدلات الانتقال إلى الطاقة النظيفة المتجددة، فلا تدفع في طريق عالم خال من غازات الدفيئة، وعليه يتم التساؤل: هل تود البشرية أن تكتب نهاية حضارة الإنسانية المعاصرة بيدها؟

ربما يكون هذا هو التساؤل الواجب طرحه على المشاركين في قمة غلاسكو للمناخ في اسكتلندا الخريف القادم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط