.
.
.
.

إلى إسرائيل من لندن

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

فى الوقت الذى اقترح فيه توفيق الحكيم وعدد من زملائه، أثناء حرب يونيو، أن نجلس ونتفاهم مع الإسرائيليين «الناس دول»، كان هناك شاب مصرى، مثقف ومغامر، يعيش بعيدًا عن مصر، يفكر فى نفس القضية ولكن بأسلوب آخر، هذا الشاب هو «وجيه غالى»، أحد أبناء الأرستقراطية المصرية، وُلد بين عامى ١٩٢٩/ ١٩٣٠، فى الإسكندرية، درس فى «فيكتوريا كولدج » بالإسكندرية، ثم انتقل إلى القاهرة، حيث تشبع بأفكار اليسار حول الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وشارك فى العديد من المظاهرات الوطنية سنة ٥٠ وما قبلها، غادر إلى فرنسا لدراسة الطب، فى العام الدراسى ٥٠/ ٥١، ثم ترك دراسة الطب لسبب بسيط أنه لن يتمكن من علاج الفقراء بمصر، لم يعد إلى مصر وطاف بأوروبا، حتى استقر به الحال فى لندن، ثقف نفسه وعاش حياة أوروبية كاملة، أصدر رواية واحدة، حققت نجاحًا كبيرًا فى الغرب، تُرجمت إلى العربية منذ سنوات، وترك يوميات، نُشرت قبل سنوات بالإنجليزية، وترجمها إلى العربية فى مجلدين هذا العام محمد الدخاخنى، وقامت مى حواس بإعدادها وتحريرها، وصدرت عن الكتب خان للنشر والتوزيع، تضع اليوميات أيدينا بدقة على تفاصيل رحلة وجيه المثيرة إلى إسرائيل فور هزيمة يونيو ٦٧ مباشرة.

أنهى وجيه حياته بنفسه مطلع سنة ١٩٦٩، عقب احتفالات عيد الميلاد.

قبل حرب يونيو، نحن أمام شاب يعيش حياة عبثية تمامًا، لا تشعر من يومياته أنه مصرى إلا بالكاد، من خلال لقاءاته فى لندن بزميل دراسته الفنان أحمد رمزى، وكذلك عمر الشريف، وذكر عابر لبعض أفراد أسرته الذين يمرون بالعاصمة البريطانية.

وما أن تقع الحرب وتكتسح إسرائيل عددًا من الجيوش العربية خلال ٢٤ ساعة، حتى ينفجر بركان غضب داخله، كان غضبه مركزًا بشدة على جمال عبدالناصر، كان يتحدث كمصرى صميم ومجروح بشدة، أخذ على عبدالناصر تصريحاته بأن بريطانيا وأمريكا شاركتا فى الحرب، يقول فى يومياته: «لست من عشاق سياسات هذين البلدين، لكننى شعرت بالاشمئزاز والإهانة والإذلال أكثر بسبب هذه الكذبة الرخيصة»، ما جرى فى الحرب «نهاية عبدالناصر فى رأيى»، ويقول كذلك: «كرهته تمامًا وبالكامل».. «هذه هى اللحظة التى كرهته فيها أكثر من أى وقت مضى».

وكان وجيه خطط مساء الرابع من يونيو مع اثنين من اليهود، فرانك وزوجته، التقاهما فى عشاء هو وصديقته «ليز إيفانز» لكتابة خطاب إلى جريدة التايمز (مصرى/ يهودى)، لم يشر إلى الهدف ولا إلى محور ذلك الخطاب، غير أن أحداث اليوم التالى فاجأتهم، فلم يعد ثمة مجال لكتابة الخطاب، ولعلهم هدفوا إلى وقف الاندفاع نحو الحرب، أثناء الأحداث كتب مقالًا قصيرًا بعنوان «ماذا حدث؟» وأرسله إلى التايمز، اعترف فيه بأنه فى لندن بعيدًا عن الأحداث، وليس فى وضع يسمح له بإصدار الأحكام على ما يجرى، لكنه كان فى صدمة وذهول مما جرى وما فعله ناصر «تحدى إسرائيل لإظهار قوتها، وقد فعلت، اجتاحتنا...».

فى الأيام والأسابيع التالية يصمت تمامًا، وينسى الأمر برمته، ويمارس حياته العادية التى تتمحور حول السهر والشرب ومرافقة الجميلات اللائى يُنفقن عليه، غير أننا نجده فى يومياته عن الأربعاء الخامس من يوليو، أى بعد مرور شهر على الحرب، يكتب ما يلى فى نهاية اليومية: «لم تكن حالة مصر يائسة كما هى عليه اليوم. أخطط للذهاب إلى إسرائيل، من بين كل الأماكن».

التعبير واضح ودقيق، هو يخطط للزيارة، أى تجاوز مرحلة التفكير إلى التنفيذ، لم يذكر أبدًا ما الذى دفعه إلى تلك الخطوة ولا ما هو هدفه تحديدًا، فقط نجده فى يومية الأحد التاسع من يوليو ٦٧ يكتب: «إذن خططت لهذه الرحلة إلى إسرائيل.. والحيلة هى (مصرى يحاور الإسرائيليين)»، اختار هذا العنوان ليجذب الصحف الكبرى، كى تقوم بتمويل الرحلة، هو مفلس فعليًا، وبالفعل وجد الصنداى تايمز والأوبزرفر تقومان بتحمل تكاليف السفر وإقامته ومعيشته فى إسرائيل، هو كان يصر على معيشة الأرستقراطى حتى لو لم يملك شيئًا، الصحيفتان لا تمولان الرحلة فقط، بل تجعلان إسرائيل ترحب بمقدمه، غنىٌّ عن القول أن أى صحيفة كانت تتمنى أن تحقق «خبطة صحفية كبرى» مثل هذه، أن تجد مصريًا يدخل إسرائيل فى ذلك الوقت ويحرر رسائل منها، كان ما جرى حدثًا جللًا بكل المقاييس، فضلًا عن أن إسرائيل مهمة جدًا لإنجلترا، منذ وعد بلفور ثم المحرقة النازية لليهود فى الحرب العالمية الثانية، مصر كانت مهمة لهم كذلك بحكم احتلالهم السابق لها، وعبدالناصر كان عدوهم اللدود، هو الذى أمم قناة السويس وقطع ذيل الأسد البريطانى فى العدوان الثلاثى، انتكست الإمبراطورية البريطانية على يديه، ولم يكتفِ عبدالناصر بذلك بل راح يطارد الوجود البريطانى بالمنطقة، خاصة فى عدن وبعض مناطق الخليج، باختصار انكساره وكسره يستهوى الكثيرين أو حتى من باب الفضول المعرفى، ومن ثم المادة الصحفية الميدانية هنا مهمة، مادة مقروءة وجاذبة للقراء، خاصة أن النيران لاتزال ملتهبة فى أرض المعركة، النصر الخاطف الذى حققته إسرائيل أسعد كثيرين وأزعج كثيرين أيضًا، انكسار العرب على هذا النحو كان يعنى أنه بمنطق الثأر لن تهدأ النيران، وإذا جاءت المادة الصحفية بقلم وعين من أطراف المعركة تزداد الجاذبية والمصداقية، لذا وجدنا صحيفتين تشتركان معًا فى تكليف المحرر، رغم أن المنافسة الصحفية، عادة، تسير فى أن تكون الرحلة لحساب صحيفة واحدة فقط.

بقى أمامه موافقة السفارة الإسرائيلية فى لندن على الرحلة، ومنحه تأشيرة الدخول، ثم رسم دخول إسرائيل وكيف يدبره أو من يتحمله؟

كان «وجيه» يعول كثيرًا على الذهاب إلى إسرائيل، وكان قلقًا إذا لم تمنحه إسرائيل تأشيرة الدخول، «لا أعرف ماذا سأفعل إذا لم تنجح هذه الرحلة؟»، كانت صديقته باربرا تتابع مع السفارة وتُزعج «شارون»، الموظف العجوز بالسفارة، طبقًا لوصفه، وكان هو- طبقًا للأعراف الدبلوماسية- تقدم بطلب مكتوب إلى السفارة للسماح له بالدخول، «لقد تقدمت بطلب للحصول على تأشيرة إلى إسرائيل، يا إلهى..»، التأكيد هنا للتأكيد على مفارقة موقفه هو أم الاندهاش الذى يتوقعه من الآخرين، وأخيرًا أبلغته أن عليه الاتصال هو تليفونيًا بشارون فى السفارة والاستفسار منه! بما يعنى أن الموافقة على وشك المجىء إن لم تكن قد جاءت بالفعل، لم يتمكن من الذهاب إلى شارون فى اليوم نفسه، كان قد شرب كثيرًا، بدلًا من ذلك ذهب إلى مطعم للغداء، «التقيت هناك بزوجين جميلين، صغيرين إلى حد ما، وكلاهما إسرائيلى أو يهودى، وكانا مذعورين من الظلم الذى لحق بالعرب على يد الصحافة والإسرائيليين»، بعد الغداء اتصل بشارون، الذى أبلغه أن تأشيرته وصلت بالفعل من تل أبيب وكان عليه أن يذهب لتسلمها بنفسه.

توجه إلى مكتب شارون، «لم يفارقنى عنصر الاشمئزاز من نفسى كونى فى السفارة الإسرائيلية»، ويصف المشهد فى الداخل: «هالة من الابتهاج فى المكان، نوع من نظرة شماتة، وهو أمر محزن عندما أفكر أن ذلك على حساب من...».

شارون كان مختلفًا، ودودًا ومجاملًا، بتعبيره: «ساحرًا للغاية ولطيفًا ومفيدًا». ظل شارون يتحدث معه لمدة ساعة ونصف، «أعطانى صورة رائعة للغاية عن طيبة الإسرائيليين ومعاناتهم على أيدى العرب، نصف ما قاله عبارة عن أكاذيب»، وهذا يعنى أن النصف الآخر ليس كذبًا. سلمه شارون التأشيرة مجانًا، أى دون دفع الرسوم المالية فأزاح عبئًا عنه، وهكذا كان عليه أن يذهب إلى مكتب الطيران للحصول على تأشيرة العودة إلى لندن، هو مصرى، ومن ثم لابد له من تأشيرة دخول لندن من تل أبيب، وعانى فى الحصول عليها، «ذهاب مصرى إلى إسرائيل أسهل من الحصول على تأشيرة عودة إلى إنجلترا»، كانت المفاجأة أمام الموظفين الإنجليز، ورفعوا حواجبهم دهشةً أن «مصرى ذاهب إلى إسرائيل».

يوم الأحد ٢٣ يوليو ١٩٦٧ ركب طائرة تابعة للخطوط الجوية الاسكندنافية متوجهًا إلى إسرائيل، «أول مصرى يقوم بذلك منذ خمسة عشر عامًا أو نحو ذلك، يا له من سبق».

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.