.
.
.
.

لاعب الجمباز الإسلامي و«الناكثون لغزلهم»

علي العميم

نشر في: آخر تحديث:

حيَّرني في الكاتب الإسلامي زين العابدين الركابي اختياره، منذ عام 1970، الانسحاب إلى الظل والابتعاد عن الواجهة، في عمله بالحركة الإسلامية، رغم امتلاكه القدرة على التنظير الفكري، وتمتعه بقلم أدبي سيال وسلس.
فطوال عمله في مجلة «المجتمع» الإسلامية الكويتية، من عام 1971 إلى عام 1978، لم يظهر اسمه في ترويستها بوصفه مدير تحريرها، إلا في عام 1977. رغم أنه من عام 1971 كان يشغل هذا المنصب فيها، بل كان هو رئيس تحريرها الفعلي. أما مشاري محمد البداح الذي تولى رئاسة تحريرها من سنة إنشائها عام 1970 إلى عام 1975، وبدر محمد القصار الذي خلفه في هذا المنصب من عام 1975 إلى عام 1979، فقد كانا رئيسي تحرير صوريين.
فأول رئيس تحرير كويتي فعلي في هذه المجلة كان إسماعيل الشطي، الذي تولى رئاسة تحريرها من عام 1979 إلى عام 1992.
وطوال عمل زين العابدين الركابي في تلك المجلة، لم يظهر اسمه على مقال من مقالاتها. وحينما غادرها أعلم قراءها في رسالة توديعية قصيرة أنه هو الذي كان يكتب «التعليق الأسبوعي»، لكنه لم يعلمهم عما كان يكتبه فيها باسم مستعار. فهذه المجلة كانت تحفل بالكتابة بأسماء مستعارة من داخلها ومن خارجها، أسماء مستعارة لكتاب وصحافيين إسلاميين من بعض البلدان العربية، خصوصاً من سوريا وفلسطين والعراق.
في أثناء عمله في الكويت، وبعد انتقاله إلى السعودية للعمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إلى سنة وفاته عام 2014، لم تكن له مشاركات تُذكر في ندوات ومحاضرات إسلامية في هذين البلدين أو في أي بلد عربي وإسلامي سوى مشاركته البارزة واللافتة في ندوة «الإعلام الإسلامي والعلاقات الإنسانية - النظرية والتطبيق»، وهي الندوة التي أقيمت في الرياض عام 1976. مع أن العالم العربي والعالم الإسلامي عاش نشاطاً مسرفاً في عقد ندوات ومحاضرات إسلامية منذ أوائل السبعينات الميلادية.
مما تحفظه ذاكرتي، وكنت في السنة الأولى ثانوي، أنني قرأتُ له مشاركة في «نادي الرياض الأدبي»، غطتها جريدة «الرياض»، ولا أتذكر إن كانت هذه المشاركة تعليقاً على محاضرة ألقاها أحدهم، أو أنه كان أحد المشاركين في الحديث في موضوعها، أو أن هذه الجريدة عقدتها ونشرتها كعمل صحافي خاص بها.
أتذكر من مشاركته هذه كلاماً له حول ما يسميه الإسلاميون «مفاهيم ينبغي أن تصحح» و«أخطاء يجب أن تصحح»، وهو موضوع شغف الإسلاميون به منذ أواخر السبعينات الميلادية في كتبهم وأبحاثهم ومقالاتهم وندواتهم ومحاضراتهم بقدر يفوق شغف حماة اللغة العربية بموضوع «قل ولا تقل»، الذي بدأ العمل فيه أول القرن الماضي، وقبله بقليل.
والفرق بين هؤلاء وأولئك أن تصحيحات حماة اللغة العربية هي تصحيحات علمية، وإن اعتورها تشدد لغوي إزاء الأسلوب العربي الجديد المتأثر بمنطوق وأسلوب اللغة الفرنسية واللغة الإنجليزية، في حين أن تصحيحات الإسلاميين الدينية وتصحيحاتهم حول التاريخ الإسلامي الذي كتبه القدماء والمعاصرون، هي تصحيحات دينية متنطعة وذات أفق ضيق.
كلامه كان أن هناك خطأ شائعاً في التعبير الإعلامي، في الصحف والمجلات والإذاعات والتلفزيونات، في سؤال يطرحونه على مشايخ الدين وعلمائه، وهو قولهم: ما رأي الدين في كذا وكذا؟ والصحيح (كما قال) هو أن يقولوا: ما حكم الدين في هذه المسألة أو تلك؟
وبعيداً عن قضية ما يجب وما ينبغي، في هذه القضية، فإن كلامه يعبر عن حالة الإسلاميين وواقعهم في طريقة التفكير وشكل المعتقد وجوهره. فالإسلاميون، لا ينظرون إلى كلامهم على أنه آراء قد تصيب وقد تخطئ، وإنما يُعلون كلامهم إلى مصاف الحقائق القاطعة، التي تتطابق مع حقائق الدين ومع حقائق الواقع وحقائق التاريخ، التي في معتقدهم لا تملك أمامها سوى التسليم بها والاستسلام والخضوع والإذعان والانقياد لها.
ومع أنهم كانوا كذلك، وما زالوا كذلك، فإن لاعب الجمباز الإسلامي، و«القمبازي» (هذه كلمة عامية شائعة في الكويت والعراق وفي نجد والمنطقة الشرقية من السعودية والبحرين، وهي كلمة مأخوذة من اللغة الفارسية، وتعني في هذه اللغة الإغواء والخداع. ومعناها في الأقاليم المذكورة المحتال والبهلوان، وفي معظم هذه الأقاليم تنطق بحرف الجيم، وفي نجد والمنطقة الشرقية تنطق بالجيم الفارسية) الكبير الدكتور عبد الله النفيسي في مقابلة له في برنامج «الاتجاه المعاكس» مع فيصل القاسم في قناة «الجزيرة» عام 2004، صنف مجموعة من التكفيريين الإرهابيين، اعتقلتهم الحكومة السعودية، بأنهم «سجناء رأي»! وكأن في قضيتهم - يا لعظم المغالطة - رأياً ورأياً آخر!
إن الإسلاميين بجميع تياراتهم وفي كل بلد من بلدانهم، ينقضون غزل قضاياهم بعد أن أبرموها وأحكموا شد خيوطها أنكاثاً، من حين إلى حين، لا عن حمق (كما كانت تفعل تلك المرة الحمقاء المعروفة عند أهل مكة أيام الجاهلية)، وإنما عن دهاء ومكر وخديعة. لذا يصح أن نطلق عليهم (بتسمية قرآنية) اسم «الناكثين لغزلهم».
إنك لو مسحت كتب وأبحاث ومقالات الحركات الإسلامية خارج نطاق كتب وأبحاث الإعلام الإسلامي، فإنك لن تجد لزين العابدين الركابي فيها ذكراً، ولا إحالة تستشهد بما جاء في كتاب أو بحث أو مقال له.
فذكر اسمه مقتصر على بعض ذكريات قليلة دوَّنها بعض الإخوان المسلمين في السودان عن تاريخهم؛ إذ يرد ذكر اسمه فيها عرضاً في ذكريات سنوات الستينات الميلادية.
وإنك لو بحثت في الإنترنت عن ترجمة له، فلن تجد حتى تعريفاً أولياً به: أين ومتى وُلد؟ وماذا وأين درس؟ ومثل هذه المعلومات وأكثر منها بكثير يحرص الإسلاميون على توفيرها عن كل أعلامهم.
وبعد بحث عن إجابة لتلك الأسئلة، عثرتُ على تعريف منقوص به.
هذا التعريف المنقوص به عثرت عليه في بحث لأكاديمي سعودي من جامعة أم القرى، اسمه محمد عبده عداوي، عنوان بحثه: «الاتجاهات الفكرية في المقالة الأسبوعية عند الكاتب زين العابدين الركابي: دراسة تحليلية للمقالات المنشورة في صحيفة (الشرق الأوسط) خلال عامي 2011 - 2012»، منشور في «المجلة المصرية لبحوث الإعلام»، التي تصدر عن كلية الإعلام بجامعة القاهرة، ومنشور في مجلة بحوث كلية الآداب بجامعة المنوفية.
تعريفه المنقوص به (كما يشير هذا الأكاديمي) منقول عن تلميذه وصديقه الدكتور عثمان أبو زيد.
يقول هذا التعريف المنقوص: «الكاتب هو زين العابدين الركابي، أستاذ الإعلام المشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. سعودي الجنسية. وهو من أب سوداني وأم مصرية. وُلد بالقاهرة وأمضى بها فترة الطفولة ومطالع الشباب، والتحق بجماعة الإخوان المسلمين ذات الرؤية الإسلامية والمنادية بأخذ الإسلام بعمومه وتحكيمه في كل شؤون الحياة. درس في أحد المعاهد الفنية، وحين الهجمة على الإخوان المسلمين عاد إلى السودان حيث كان يكتب في إحدى الصحف الإسلامية، ثم سافر إلى الكويت...».
هذا التعريف على علاته صحح لي معلومة اصطحبتها لسنوات طويلة، وهي أنني منذ أن كنت طالباً في كلية الدعوة والإعلام إلى يوم الخميس الماضي، يوم عثوري على ذلك البحث، أحسب أنه حائز درجة الليسانس من إحدى الجامعات في القاهرة.
يقول الدكتور عثمان أبو زيد مزود صاحب البحث بالمعلومات السابقة: «وحين الهجمة على الإخوان المسلمين عاد إلى السودان حيث كان يكتب في إحدى الصحف الإسلامية ثم سافر إلى الكويت».
هذه المعلومة منقوصة ومختلة في آن؛ فهو لم يحدد السنة التي عاد بها زين العابدين الركابي، وحددها بحادثة وهي الهجمة على الإخوان المسلمين. والهجمة على الإخوان المسلمين ليست حادثة واحدة، وإنما هي حادثتان.
الأولى كانت في عام 1954، والثانية كانت في عام 1965؛ فهل عاد إلى السودان بعد الهجمة الأولى أم هو عاد إليه بعد الهجمة الثانية؟!
ولقد ذكر في هذه المعلومة أن زين العابدين الركابي، وهو مقيم في مصر، كان يكتب في صحيفة إسلامية، لكنه لم يذكر اسم هذه الصحيفة، ولم يذكر في أي بلد عربي كانت تصدر. ولم نفهم ما الرابط بين كتابته في صحيفة إسلامية وعودته إلى السودان!
في مقال عنوانه «عبق من زين العابدين: الإعلامي والعالم» منشور في مجلة «البيان» الإسلامية، كتبه يوسف جعفر شيخ إدريس، وهو ابن الدكتور جعفر شيخ إدريس الذي هو صديق لزين العابدين الركابي منذ أيام شبابهما، ورفيقه في «جبهة الميثاق الإسلامي»، وزميله في المعهد العالي للدعوة الإسلامي، ذكر معلومة ستساعدنا في تحديد عمره، وفي مناقشة تعليل عودته إلى السودان.
هذه المعلومة هي قوله: إن أول كتاب كتبه الركابي كان عمره دون الخامسة والعشرين، وكان عنوان الكتاب «النُّور أوْلَى».
ومن حسن حظى أنني عثرت على كتابه الأول في إحدى المكتبات العامة، إذ إن الكتاب كتاب نادر، وهو من منشورات «مكتبة وهبة». في بيانات نشره، الكتاب صادر في ديسمبر (كانون الأول) عام 1961. ومن المعلومة التي ذكرها يوسف جعفر شيخ إدريس نستخلص أنه وُلد في غضون عام 1935، أي أن عمره حين تعرض الإخوان المسلمون للهجمة الأولى عليهم، كان يناهز الثامنة عشر عاماً.
ومن إشارة ذكرها محمد عبد الله السمان في مقدمته للكتاب، وهي قوله: «وحين لقيني ولقيته لأول مرة، وأحال عليّ باكورة إنتاجه الأول، لمراجعته والتقديم له»، نعرف أنه إلى التاريخ الذي صدر فيه كتابه لا يزال مقيماً في مصر.
وفي هذا التاريخ كان كثير من الإخوان المسلمين مسجونين، والنشاط الإخواني محظوراً ومطارداً. ومن عام 1957، بدأ شباب من الإخوان المسلمين تكوين تنظيمات مسلحة سرية للإطاحة بنظام ثورة 23 يوليو. هذه التنظيمات (كما يقول أحد قادتها أحمد عبد المجيد عبد السميع) مرت بثلاث مراحل سرية، ومرحلتها الثالثة والأخيرة هي مرحلة توحيدها في تنظيم واحد عام 1962. وقد اكتشف أمر هذا التنظيم في أول شهر أغسطس (آب) عام 1965. وشنت السلطة حملات مطاردات ضخمة لاعتقالهم. وزج بأعداد كبيرة منهم في السجون. فهل يريد أن يقول الدكتور عثمان أبو زيد إن زين العابدين الركابي عاد إلى السودان في شهر أغسطس أو في الشهر الذي بعده من ذلك العام؟
ومن قوله المبهم: «حيث كان يكتب في إحدى الصحف الإسلامية»، استنتجت أنه يقصد صحيفة «الميثاق الإسلامي» التي أنشأتها «جبهة الميثاق الإسلامي» في 31 - 12 - 1964، وهي الجبهة التي تأسست في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام، التي انتخب حسن الترابي أمينها، وكانت الجبهة مكونة من تحالف بين الإخوان المسلمين والسلفيين والطريقة التيجانية الصوفية.
ومما أعرفه من بعض الأصدقاء السودانيين، أن زين العابدين الركابي كان أبرز كاتب في تلك الصحيفة. ولعل ما أفادنا فيه كلام الدكتور عثمان أبو زيد المبهم هو أن زين العابدين الركابي بدأ الكتابة فيها وهو لا يزال مقيماً في مصر. وعلى الأغلب أنه عاد إلى السودان في عام 1965.
ومن حكاية رواها عيسى مكي أزرق في كتابه «من تاريخ الإخوان المسلمين في السودان»، نعلم أن زين العابدين الركابي كان رئيس تحرير تلك الجريدة في فترة ما من أواخر الستينات.
هذه الحكاية رواها وهو يتحدث عن أحد اجتماعات «جبهة الميثاق الإسلامي». يقول: «ثم أثيرت قضية الأخ الركابي، والتي فحواها شكواه من التصريح الذي نشره الترابي في شأنه بخصوص مهاجمة (أي مهاجمة الركابي للصادق)، فيما يختص بقضية فلسطين. فقد صرح الترابي لوكالة الأنباء بأن المحرر الذي هاجم الصادق محرر غير مسؤول. وقام الركابي مقدماً شكواه لأعضاء المجلس يطلب برد اعتباره أمامهم بصفته المسؤول عن الجريدة (الميثاق) في ذلك الوقت، وأن التصريح المنسوب لأمين (جبهة الميثاق) فيه إساءة له. وطلب الحاضرون من الأخ حسن أن يعتذر له، ورفض حسن ذلك، بحجة أنه لم يتعود أن يعتذر أمام الملأ»!
وفي ظني أن عودته إلى السودان إن كان لها صلة مباشرة بالهجمة الثانية على الإخوان المسلمين في مصر، فهي أن جريدة «الميثاق الإسلامي» كانت شنت حملة على جمال عبد الناصر، وعلى نظامه السياسي، بسبب اعتقال سيد قطب وأعضاء تنظيمه، تنظيم 1965، وكان هو من كتاب هذه الجريدة، وهذا سيعرضه حتماً للمساءلة الأمنية في مصر.
أضف إلى هذا أنه مشغوف دينياً وفكرياً وسياسياً بسيد قطب إلى حد الوجد الصوفي، وأنه لن يتاح له أن ينتقم لسيد قطب بالتعرض للنظام الناصري بالهجوم والنقد، إلا أن يكون في مأمن. هذا المأمن كان يوفره له بلده، السودان.
وهذا لا يتعارض مع سبب آخر عضّد قرار عودته إلى السودان. فنظراً إلى كونه الكاتب الأبرز في تلك الجريدة ربما دُعي من قادة «جبهة الميثاق الإسلامي» إلى أن يعود إلى السودان، أو ربما هو بادر بذلك، لأن في السودان فسحة واسعة للعمل الإسلامي السياسي الإخواني الحر، وهو العمل المحظور والمحارب والمطارد آنذاك في مصر. ومن ناحية الطموح الشخصي، مؤسسو «جبهة الميثاق الإسلامي»، ومنهم حسن الترابي وجعفر شيخ إدريس، هم من جيله، وهو وهم من الجيل الثاني في الإخوان المسلمين. وهذا ما سيفتح الباب له للحصول على موقع سياسي متقدم في تلك الجبهة. وهذا ما حدث؛ فلقد نال منصب عضوية مجلس الشورى بعد وقت قصير من عودته إلى السودان. وللحديث بقية.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.