.
.
.
.

الجنسية الكويتية والفتنة النائمة

داهم القحطاني

نشر في: آخر تحديث:

في ندوة أُقيمت في كلية التجارة عام 1994 قال رئيس اللجنة التشريعية في مجلس الأمة حمد الجوعان إنه وحسب فهمه لقانون الجنسية فإنه شخصيا يعتبر نفسه كويتي الجنسية وفقا للمادة الثانية من قانون الجنسية، وهي المادة التي كانت تستهدف أن تضم كل الكويتيين من أبناء الكويتيين بصفة أصلية والكويتيين بصفة التجنس.
هذا الرأي اتفق معه أيضا آنذاك رئيس مجلس الأمة السابق أحمد السعدون مع إضافة تتعلق بأن أبناء الكويتيين الحاصلين على الجنسية وفقا للمادة الأولى يجوز أيضا أن يحصلوا عليها وفقا للمادة الأولى نفسها.

حين نقول هنا المادة الثانية فنحن نقصد المادة الثانية من قانون الجنسية الذي صدر عام 1959، ولا نقصد الجنسية الثانية حسب المفهوم الشعبي الدارج لدى البعض والذي يقصد به التجنس.

وبالمناسبة هل تعلمون أن عدد الكويتيين وفقا للمادة الثانية من قانون الجنسية يبلغ صفرا بدلا من أن يكون تقريبا كل الأبناء الذين ولدوا لآباء كويتيين منذ سنة 1920 وإلى هذه اللحظة كما هو النص الصريح للقانون.

السبب الذي يزيد العجب في أن عدد الكويتيين حسب المادة الثانية من القانون يبلغ صفرا ليس لأن المادة لا تنطبق على أحد، بل بالعكس، هي تنطبق على كل أحد، ولكن لأن هناك من يرفض فكرة المساواة بين الكويتيين، التي أتى بها قانون الجنسية كفلسفة، بحجج كثيرة ظاهرها قانوني، وباطنها، ولا شك، مجرد نظرة عنصرية لا يمكن أن يصدق أحد أنها تكمن في فكر ونفس أحد، ونحن نعيش في قرن الحضارة والتمدن والحاسب الآلي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل الاجتماعي.

هذا التنازع بين الرأي المتحضر الذي يليق بالكويت وشعبها، والذي يتمثل في أن يحصل أبناء الكويتيين جميعا، بصفة أصلية أو بالتجنس على المادة نفسها، وهي المادة الثانية بصفة أصلية، وبين الرأي الذي يحمل شعورا عنصريا يتمثل في ضرورة التفرقة بين أبناء الكويتيين بصفة أصلية أو كما يُقال بوصف شعبي من البعض لا بوصف قانوني بأبناء المؤسسين، وبين أبناء المتجنسين، هذا التنازع انتهى إلى حل وسط إلى قانون رقم 44 لسنة 1994، وهو وإن كان قانونا متحضرا في مضمونه إلا أنه يتضمن في شكله ترسيخا لهذه النظرة العنصرية البغيضة التي تريد أن تصنف الكويتيين وللأبد حسب تاريخ الهجرة للكويت، كما أنه يتعارض مع نص المادة الثانية من القانون نفسه.

ولكي نقرب الصورة فإن المواطنين الكويتيين من أبناء المتجنسين الذين شهدوا الغزو العراقي الآثم وواجهوا أهواله، وفقدوا الأقرباء وعانوا بالعيش تحت الاحتلال العراقي أو تعرضوا للتعذيب، أو تشردوا كلاجئين في دول العالم، وتصدوا للغزو والاحتلال من موقعهم فاستشهدوا أو تم أسرهم هم أو أقرباء لهم، مطلوب منهم بعد كل ذلك أن يقفوا في الصفوف الخلفية كمواطنين من دون حقوق سياسية، ومن دون تمثيل برلماني إلا بعد مرور 30 عاما من حصولهم على الجنسية الكويتية.

حتى الطاغية صدام حسين لم يفكر أن يقسم الكويتيين كما يحاول أن يفعل البعض لإلغاء قانون رقم 44 لسنة 1994 عبر طعون انتخابية أو عبر طعون دستورية مباشرة، والآن عبر حملات إعلامية بغيضة كان من ضمنها مقالة قرأتها أخيرا، تنضح بالعنصرية، وبالخطاب الفئوي البغيض الذي لا يمكن أن يصدر من شخص يصنف نفسه بالتفكير الحر (الليبرالي).

القصة وباختصار بأن هناك أشخاصا ربما لأسباب شخصية، أو بسبب دوافع تتعلق بتغليب عنصر معين أو شريحة معينة أو طبقة معينة يعتقدون أنهم يخوضون معركة مقدسة تتعلق في حماية الهوية الوطنية، وحمايتها هنا ليس من الاعتداء عليها عبر سلب الأموال العامة كما يتم جهارا نهارا، وليس عبر منع قيام كبار القوم بجر الكويت لمستنقع غسل الأموال، بل للأسف حسب هؤلاء فهي معركة مقدسة تستهدف منع حق الترشح للمناصب النيابية والوزارية عن شريحة كبيرة من المواطنين الذين ينتمي معظمهم للقبائل، وينتمي بعضهم لأصول عربية وأعجمية من إيران، إلا بعد اشتراط مرور 30 سنة على حصولهم على الجنسية أو بلوغهم السن القانونية للحصول على حق التصويت.

حين أشاهد وأسمع كل هذه الأطروحات ذات الطابع العنصري أُدرك تماما لماذا استهدف المشرع الدستوري الكويتي الحكيم في مواد الدستور، وفي القوانين الأساسية أن يكون محددا وواضحا في مسألة تغليب الشعور بالانتماء الوطني الجامع، على الشعور العنصري ذي الأفق الضيق، والمرفوض وفق الفطرة الكويتية والعربية والإسلامية السليمة.

الآباء المؤسسون كانوا يعلمون جيدا أن «الفتنة نائمة لعن الله من يوقظها».

*نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة