.
.
.
.

مأسسة الكذب

نعمة العبادي

نشر في: آخر تحديث:

يعد الكذب من أرذل النقائص الاخلاقية، وتتفق على أدانته ومقته ورفضه كل الفلسفات والتوجهات الفكرية والاخلاقية والاجتماعية، ومع ان استثناء بعض صوره وفقاً لشروط ومحددات متاح في الاديان والقوانين والمناهج إلا ان هذه الاستثناءات المسوغة (التي حول مشروعيتها خلاف عظيم) تحاول ان تنقل الكذب من واقع الى واقع آخر بإضافة شروط ومتغيرات تبتغي عبرها تحسين صورته ليقترب قليلا من طهارة الصدق.

تنظر الادبيات الاخلاقية والنفسية، بل وحتى الاجتماعية الى هذا الفعل (كممارسة فردية) تتصل بالدرجة الاساس بالافراد مهما كان حجم وسعة الموضوع الذي يتعلق به، ويبقى تحوله الى سلوك جماعي عملية معقدة، وتستلزم فهم عميق للنظر فيما ورائياتها، فالتماهي مع الكذب الفردي والانخراط في حلقته، يعني بشكل عملي تحول كل المحيط بكل مفرداته الى وهم وسراب، الامر الذي يجعل الكاذبين ضمن هذا المحيط اول ضحاياه، وهو امر يطرح السؤال حول قبول هذا المجموع للتنكيل بأنفسهم طواعية.

في الثمانينات، عندما كنا نشاهد بعض الافلام المصرية النقدية التي تتحدث عن تحويل الكذب الى منهج عمل بشكل جماعي عبر مجموعة مثل (شلة اصدقاء) للتكسب به او للحصول على منافع شخصية، كانت الدهشة تستغرقنا أزاء الممارسة الجماعية المنتظمة التي يقدمها الفلم لاحد الصور الاجتماعية، وتدريجيا، صرنا نشاهد صور وحالات أكثر تعقيداً وذكاء في ممارسة الكذب الذي يتخذ كأداة لعمل ما، ومع الصور الجماعية التي تعاقبت على أذهاننا إلا أن صورته الخاصة بقيت مستقرة في اذهاننا على اساسه انه ممارسة فردية قد يكررها جماعة او يمارسونها بشكل جماعي عبر تواطؤ متفق عليه.

تتمثل اهم معالم المؤسسة في وجودها الموضوعي المنفصل عن الاشخاص الذين يتعاقبون على العمل فيها، فهي كيان قائم بوجوده الخاص (المادي والمعنوي)، والمنظم على اساس قوانين ولوائح وآلية عمل تضبط ايقاعها، وتستديم وجودها واستمرارها من خلال بقاء عناصرها الموضوعية متوفرة ومكتملة، فهي غير مرهونة بالاشخاص، ولا تمثل صورة الاشخاص الذين يعملون فيها من خلال وجهتها، بل هي المؤسسة القائمة بكيانها المنفصل وحسب.

يعيش الواقع الاجتماعي والسياسي العالمي لحظة خطرة في مصيره الوجودي من خلال تحويل (الكذب) من فعل سلوكي فردي الى وجود مؤسسي له كيانه الخاص ومقوماته المنفصلة عن الاشخاص، فقد بلغت قدرات الشيطنة الى تحويله الى رؤية ومهمة ورسالة واستراتيجية ومنهج وطريقة وكيان، بحيث اصبح الحديث عن مراجعات تدقيقه وفحصه في ضوء الحقائق امراً مستحيلاً.

لم يكن الكذب وحده الذي تمأسس، فالسرقة والطغيان والظلم لها وجودها المؤسسي العالمي الذي يدير عملياتها عبر وجود مشرعن ومقنن.

كثيرة هي عورات الانظمة السياسية التي تعاقبت على حكم العراق وخصوصا نظام ما بعد ٢٠٠٣، وكثيرة هي المقاربات التي تحاول الوقوف على العلل والاسباب ونقد الظواهر، إذ تتفاوت في مستويات عمق تحليلها وبحثها في الجذور والاسباب إلا ان تلمس ظاهرة (مأسسة الكذب) لم تنال حظها من النقد والتحليل والدراسة وتقييم الخطورة، فوجهة النظر العامة، لديها موقف نفسي معلن من عدم الثقة بأشخاص ومفردات النظام، ويظهر ذلك واضحاً في التعليق (الخاص والعام) على معظم المخرجات السياسية اللفظية والعملية إلا ان ذلك كله يدور في حدود الارتكاز المعهود عن الكذب كممارسة فردية لا اخلاقية مرفوضة وممقوتة.

لقد هيأت ظروف الاحتلال وعموم التدخلات الخارجية، والتراكمات السابقة، وحزمة كبيرة من المدخلات، الاجواء المناسبة التي سمحت بمأسسة الكذب على شكل (احزاب، تجمعات، قوائم، منظمات، جمعيات، تجمعات، مؤسسات، لجان، قوانين، تعليمات،........ الخ)، الامر الذي انتج (وهماً) من المخرجات، فهو امر طبيعي ومنطقي، ان يكون نتاج مؤسسات الكذب الوهم لا غير، لذلك يتعجب الناس من حجم المدخلات وغياب المخرجات دون ان يركزوا بعمق على ان معظم هذه المدخلات ما هي إلا مؤسسات كذب لا حقيقة ورائها.

في ظل مأسسة الكذب، تأخذك الآمال والطموحات والوعود في كل يوم الى الشط وتعيدك عطشاً دون ان تحصل على قطرة ماء، وقد تزايد تماسك مأسسة الكذب بشكل خطير جدا، بعد ان نبغ جيل جديد من الشباب في الحلبة السياسية يرفع شعارات ما يسمى بالازاحة الجيلية وغيرها من الشعارات، وفي ذات الوقت يبرع بشكل ملفت للإنتباه في إدامة وتقوية مؤسسات الكذب التي تعيش عليها من قبله، بل يخترع اساليب اكثر براعة في مأسسة الكذب.

مما لا شك فيه ان هذا الحديث لا يعني الاطلاق، ولا ينفي وجود الصور الايجابية، ولا يلغي المحاولات المخلصة، ولكنه يتحدث عن المشهد العام الذي طبع حالتنا السياسية.

ان الاستحقاق الاهم ليس في البحث عن الصادقين واستبدال الكاذبين رغم انه امر في غاية الاهمية إلا ان الاهم منه معرفة وادارك وفهم الحدود والاعماق والمخاطر التي بلغتها مأسسة الكذب، وما هي الصورة التي كرستها، ومن اي تبدأ عملية التفكيك والتقويض، وهي مهام ينبغي على من يتصدى لها، ان يحتسب نفسه شهيدا عند الله ثم يشرع بالعمل، لانها هدم لكيان متعاظم من المصالح الشخصية، لن يقف المنتفعون منها مكتوفي الايدي.

*نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة