.
.
.
.

وزير مستنير في زمن العتمة

عقيل مهدي يوسف

نشر في: آخر تحديث:

التجربة.. ليست ما يحدث للإنسان بل ما يفعله الانسان حيالها.. قد تجد بعض أنماط البشر منذ طفولته يكبت الغل والحقد والكراهية والعداء للآخرين من غير مسوغ ولكن. المفارقة ان تجد الولادة المشوهة رهن دولة ديمقراطية، هو ما يثير استغراب المواطنين الأسوياء لتعارضه مع.. القيم الأصيلة للخير التي يفخر بها التاريخ الأنساني المشرق برمز حمامة السلام ضد افعوان الشر.. للنهوض ببناء المجتمع لا بالسعي الى تهديمه.

(الدولة العقيمة.. تجربتي في حكومة العبادي.. الولادة المشوهة للديمقراطية في العراق) هذا هو عنوان كتاب د. حسن الجنابي الوزير السابق للموارد المائية للفترة ما بين 2016- 2018م، هنا وبحرص اكاديمي وتوثيقي دقيق وموضوعية تتعالى على الاهواء الذاتية بتمحيص لظواهر فترة حاسمة من تاريخ العراق الوطني والسياسي والاجتماعي . ومنذ العنوان يشرع الباحث الى تفكيك منظومة الفساد التي يراها مهما بدت متماسكة ، فهي منخورة وقابلة للهزيمة بشكلها الفضائحي، ولمقاربة هذه الموضوعة الأشكالية لقيام الدولة بعد عام 2003م التي باتت موازية لنظام الحكم في دولة ابتلعت بأسم الحزب والعشيرة والفرد.. يرصد الكاتب مظاهر العقم في العشائرية حيث درج العديد من السياسيين على ارتداء العقال والدشداشة للظهور في الاعلام في استعراضات انتهازية. (ص25) .توغل الكاتب بنهجه لتتبع الانساق المتخلفة المغلقة لشكل الحكومة ومضمونها في فترة السيد العبادي وما طرح من مشروع التكنوقراط الذي انتظره الشعب و ثوار تشرين 2019 بوصفه مقترحا آنيا ناجعا وضروريا للخروج من طغيان الفساد العارم.

هنا يقف د. حسن موقفا مساندا للانتفاضة التشرينية وروحها الثورية الباسلة فهو يرى ان الفاسدين مهما بلغت شراستهم فهم جبناء (ص30) ، وان انتفاضة في لحظة مفصلية من تاريخ العراق المعاصر. وباستقراءواحصاء يرى الكاتب : ان ربع السكان أميين وثلثهم تحت خط الفقر وملايين الأيتام والارامل والمعوقين والمهجرين والنازحين.. وما تعرض له المرشحون الى فاجعة الاساءات التي طالت اشخاصا وعوائلهم وحياتهم الشخصية (ص64) ، دون وازع اخلاقي او رادع قانوني، ولاحتى موقف حكومي مساند . ومذ ظهر السيد العبادي، حامل بيده الظرف المغلق الذي ادرجت فيه اسماء المرشحين للوزارات التي حازت على ثقة الاغلبية في البرلمان بتاريخ31/ 3/ 2016. واحتوى الظرف الذي بات مترنحا بأنامل العبادي نحو الاسفل لا تربطه، سوى شعرة ، موحية لإسقاطه الفوري والتخلي عنه.

كان عدد المرشحين (14) .للوزارات المختلفة، ما عدا وزارتي الداخلية والخارجية وسعى العبادي الى تقليص عدد الوزارات الى 16-من اصل22- (ص65). ومما يثير استهجان الكاتب ان احد المرشحين بات رهن الاستهداف بما تملكه بعض الاحزاب والمكونات من تسقيط لا يليق بأدعياء القداسة والحكمة ومما يوجب احالتهم للقضاء العادل بافتراءاتهم من القذف بالشرفاء، وسيكون مصيرهم السجن لا محالة على هذه التخرصات غير الشريفة. ويتابع الكاتب ان د. وفاء المهداوي المرشحة لوزارة العمل قد انسحبت من الترشيح، وكتب عدنان حسين في جريدة المدى في 15 نيسان من عام 2016، وزير مقترح تحت مرمى الفاسدين..

وبادر كما يذكر د. حسن عند استيزاره ان قام محافظ بتهديده حين أراد احالة مشروع يخص وزارته مقترحا أن يحال الى شركة محليّة بديلا عن عمل الوزارة واختصاصها، حين رفض الوزير هذا الطلب غير الشرعي قام المحافظ المذكور بتهديد مديري الموارد المائية فضلا عن هجومه بكرسيه ليهددني كما يذكر د. حسن، وحاول الاقتراب مني للاعتداء، لكن حماية العبادي أمسكوا به واخرجوه من القاعة، هنا يستغرب الوزير من هذا الاعتداء الصارخ عليه وبحضور العبادي نفسه وفي قصر الحكومة ولم يتخذ اي اجراء أزاء الاهانة التي وجهها له ولهيبة الدولة.. ومن ثم يتابع د. حسن توصيف ذلك السلوك الشقي الذي اقترفه محافظ كان يجلس على يمين العبادي، بل اكتفى بإنهاء الاجتماع طالبا مسح ذلك المقطع المشين من التسجيل التلفزيوني قبل عرضه (ص 121).. ويضيف د. حسن: وليس مستغربا فان هذا المحافظ نفسه اصبح عضوا في، مجلس النواب وضبط متلبسا بالرشوة .

ولاننسى فضائل د. حسن الجنابي حين استطاع ادراج الاهوار العراقية، وبعض المواقع الاثرية، على لائحة التراث العالمي لليونسكو (ص 28)، فضلا عن حرصه على ما تحويه السدود والخزانات المائية من مياه متبقية لا يمكن التفريط بها من غير ضمانات وعائدات اقتصادية او المغامرة بها من غير دراية او حرص وطني. والكتاب حافل بتفصيلات تلقي الضوء على ما كان يجري في داخل مخابئ مجلس وزراء العبادي ودهاليزه السرية، والمعلنة. و اثبت د. حسن جدارته بانه وزير ثبت واختصاصي بالموارد المائية والبيئية، وعلم الهيدرولوجي، وقوانين المياه الدولية، فضلا عن ترجمته لكتاب البريطاني غافن يانغ عن أهوار العراق.

شغل د. حسن منصب سفير العراق في اليابان وبعدها في تركيا.. ومن أهدافه المعلنة انه لا يؤمن بان الديمقراطية يمكن ان تتحول الى ارتكاب أفضع الجرائم بحجة التصدي لمنافسيهم في الحكم والسلطة ولا بذلك التسويق السطحي للشعارات، وانهيار المصانع والمزارع وسواها من اولى الأزمات السياسية وتفكك البيئة المجتمعية، بالسعي المحموم للانفراد بالمغانم وسرقة المال العام، وسط تلكؤ تربوي تعليمي صارخ وتدهور مستقبلي غامض وغياب الحلول لمشكلات العلاقة ما بين السلطات الثلاث وتوترات الفوضى السياسية التحزبية والعرقية في جو متفاقم بالمعاناة اليومية ، وغياب السلم الاهلي والبدائل الموضوعية، ووجوب مغادرة المثاليات الزائفة، والقوى المستبدة في واقع مأزوم بائس للذي يتطلب تكريس مفهوم خصوصية العلاقة ما بين الحقيقة المقدسة والحقيقة البشرية. ان مثل شهيد من ثوار تشرين، قد يذكرنا بما جاء في رواية الأخوة كارامازوف، في ان حبة القمح تموت وتسقط على الأرض وتبقى وحيدة ثم تعطي ثمارا كثيرة. الكتاب جدير بالاقتناء لدى كل مواطن غيور على مستقبل الوطن.

د. حسن الجنابي، الدولة العقيمة تجربتي في حكومة حيدر العبادي.. الولادة المشوهة للديمقراطية في العراق.. المدى، بغداد 2021.

*نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة