الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.. تكرار الأخطاء

جيمس زغبي
جيمس زغبي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

يرد على ذهني تعريف ألبرت أينشتاين للحماقة وهو «القيام بالشيء نفسه مرات متعددة وتوقع نتائج مختلفة» حين أفكر في سلوك كل أطراف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ففيما يبدو أن إسرائيل والإدارة الأميركية و«حماس» والسلطة الفلسطينية عازمون جميعاً على مواصلة تكرار الأخطاء نفسها مراراً، دون حتى التعلم من دروس كوارثهم السابقة. ودعوني أبدأ بإسرائيل و«حماس».

فأنا لم أفهم قط ما تشعر إسرائيل بأنها تحققه من قصف غزة وتدمير المباني والمستشفيات ومحطات تحلية المياه وتوليد الطاقة، كما فعلت هذا على مدار عقود. فقد قامت بهذا أولاً رداً على التفجيرات الانتحارية الإرهابية التي حرضت عليها «حماس» داخل إسرائيل، ثم قامت بهذا بعد هجمات صاروخية تنطلق من غزة.

وتتذرع إسرائيل بحجة الدفاع عن النفس، لكن قضاة دوليين محترمين ومنظمات مرموقة لحقوق الإنسان وصفت، محقة في ذلك، قصف إسرائيل لغزة بأنه جريمة حرب بسبب ما ينتج عنه من عدد هائل من الوفيات ودمار غير متناسب، وبسبب الاستهداف المتعمد للبنية التحتية المدنية. والحجة المتعلقة بـ «الدفاع عن النفس» موضع جدل أيضاً، مع الأخذ في الاعتبار القدرة المؤكدة لدرع القبة الحديدية على صد هجمات «حماس». والسبب الأكثر ترجيحاً للقصف الإسرائيلي هو الاعتقاد بأن استعراض القوة التي لا يمكن الوقوف أمامها ستجبر الفلسطينيين على الخضوع.

ووصفت إسرائيل أحياناً هجماتها بأنها «جز للحشائش»، أي التسبب فيما يكفي من الدمار لشراء سنوات قليلة من السلام، رغم أن هذا لم يجد تماماً قط. فهذا لم يجن إلا المزيد من المعاناة والكراهية ووضع البذور للمزيد من العنف. ففي عام 2005، انسحبت إسرائيل من غزة من جانب واحد، متجاهلة مناشدات الولايات المتحدة التي أوصت بتسليم القطاع إلى السلطة الفلسطينية وفقاً للقواعد المرعية. وبالانسحاب الإسرائيلي، سقط القطاع بسهولة تحت سيطرة «حماس». ثم فرضت إسرائيل إغلاقاً اقتصادياً خانقاً في محاولة لإجبار الفلسطينيين على الخضوع. ومنذئذ فحسب، اكتسبت «حماس» قوة في المنطقة. وأثناء العقد الماضي، كان سلوك إسرائيل تجاه «حماس» متناقضاً.

فأحياناً تعاقب إسرائيل السكان المدنيين بلا رحمة بسبب أعمال «حماس» وأحياناً أخرى تسمح بدخول أموال خارجية إلى «حماس». بل دخلت إسرائيل أحياناً في مفاوضات غير مباشرة بشأن تبادل الأسرى مع «حماس»، وهو أمر رفضته مع السلطة الفلسطينية. وإسرائيل سعيدة فيما يبدو بتعزيز انقسام عميق في السياسة الفلسطينية، أي إضعاف السلطة الفلسطينية والتقليل من شأنها في جانب، وتقوية «حماس» في جانب آخر. و«حماس» من جانبها تبدو سعيدة فيما يبدو بلعب دور المفسد.

ففي أعقاب اتفاقات أوسلو، حرضت شباباً فلسطينياً على تنفيذ هجمات انتحارية وقتل عشرات الإسرائيليين في حملة ناجحة لتخريب عملية السلام الفاشلة. وهذا تمخض عن ردود فعل إسرائيلية شديدة الوطأة أودت بحياة عدد أكبر من الفلسطينيين الأبرياء. وبعد حصار وإغلاق غزة، تحولت «حماس» إلى إطلاق صواريخ بدائية الصنع مما تمخض عن نتائج دموية مأساوية مماثلة. والضحايا هم سكان غزة الذين بلا مأوى ولا عمل ويعانون اضطرابات ما بعد الصدمة وبلا أمل. وبعد الجولة الأخيرة من العنف، كان من المستفز والمثير للغيظ أن نرى زعماء «حماس» يزورون العواصم العربية في «جولة انتصار». فكما أن القصف الهائل والقمع الشامل لن ينهيا المقاومة ضد إحجاف الاحتلال، فإن الصواريخ والتفجيرات الانتحارية لن ينهيا الاحتلال أيضا. وصعدت إسرائيل جهودها للاستيلاء على منازل في القدس ووسعت المستوطنات في الضفة الغربية مع خنقها الفلسطينيين في غزة.

و«حماس» المنتشية بشدة بمدائح الانتصار الزائف لا تبد تفهما للدمار الناتج عن إصرارها على استفزاز مواجهات لا يمكنها الفوز بها. صحيح أن إسرائيل و«حماس» يحملان وزر تكرار أخطائهما، لكن إسرائيل تتحمل مسؤولية أكبر باعتبارها قوة احتلال، ولأنها غير مستعدة لتغيير هذا الواقع.

وهذا يعني أن «حماس» تتحمل مسؤولية عدم تغيير مسارها. فعلى «حماس» أن تتوقف عن القيام بالدور الذي تدفعها إليه إسرائيل. وفي عمودي التالي، أناقش ما تتحمله الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية من ذنب في زيادة الطين بلة مرار. وأشير في العمود التالي أيضاً إلى تطورات تبعث على الأمل وتؤمئ نحو نهج للخروج من المستنقع الحالي.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط