.
.
.
.

اجتهادات ليبرالية دون ليبراليين

وحيد عبد المجيد

نشر في: آخر تحديث:

كيف تحولت التيارات والأحزاب السياسية من القلب إلى الهامش فى أوروبا، أو ما هو العامل الأكثر تأثيرًا فى هذا التحول؟ سؤال أُثير بصياغات مختلفة فى بعض التعليقات على الاجتهاد المنشور فى 5 يوليو الحالى عن المثلية والليبرالية. والسؤال فى محله لأن الاجتهاد المُشار إليه ركز على أثر التغير الذى حدث فى الخرائط السياسية للدول الأوروبية بعد تنامى حضور الأحزاب الاشتراكية فى أوائل القرن العشرين، ثم الشيوعية فى منتصفه. ولا يكفى ذلك التغير فى تفسير التراجع المستمر للتيارات والأحزاب الليبرالية فى أوروبا على مدى قرن كامل، وتواصله بعد تناقص أوزان الأحزاب الاشتراكية والشيوعية فى العقود الثلاثة الأخيرة. فقد صعدت هذه الأحزاب على حساب الكيانات السياسية الليبرالية، لأن قطاعات يُعتد بها من المواطنين-الناخبين تفاعلوا مع دعوتها إلى عدالة اجتماعية كانت أوروبا فى أشد الحاجة إلى شىء منها، فضلا عن أنها تبنت مواقف أكثر جذرية (راديكالية) فى مواجهة الأحزاب المحافظة، مما أدى إلى استقطاب سياسى–فكرى لم يكن للأحزاب الليبرالية موضع فيه، خاصة بعد أن تحرك كل من المحافظين والاشتراكيين خطوة باتجاه الوسط، وتبنيهم بعض المبادئ الليبرالية. وهنا، نقترب من العامل الأكثر جوهرية فى تفسير تراجع التيارات والأحزاب الليبرالية. فليس المحافظون والاشتراكيون فقط الذين أدخلوا بعض مبادئها، أو كثيرا منها، فى منظوماتهم الفكرية، بل مختلف التيارات السياسية باستثناء الفاشية التى أخذت العالم إلى حرب عالمية هُزمت فيها. وحتى الأحزاب الشيوعية تبنى بعضها مبادئ ليبرالية بدءًا من السبعينيات حين بادر الحزبان الإيطالى والإسبانى بمراجعات فيما أُطلق عليها اليورو شيوعية. وتوسع نطاق هذه المراجعات بعد تفكك الاتحاد السوفيتى السابق وانهيار معسكره. والأهم من ذلك أن مجتمعات بلدان غرب أوروبا وشمالها “تلبرلت” كل بطريقته, مع انتشار قيم التعدد والتنوع وقبول الآخر والحوار الحر والتنافس السلمى والتسامح، وازدياد الإيمان بالحرية0 وإذا صح هذا التفسير, يبدو طبيعيًا أن تقل الحاجة إلى أحزاب سياسية ليبرالية. فعندما تنتشر القيم التى نشرتها تلك الأحزاب، يبدو الوضع كما لو أننا إزاء حضور لليبرالية ولكن دون ليبراليين يحملون لواءها.

نقلاً عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة