.
.
.
.

الفساد وكورونا أهون على العراقيين من المخدرات

ماجد السامرائي

نشر في: آخر تحديث:

في الأيام الخوالي كنا صبية في مدينتنا الجميلة سامراء نسمع بعبارة “أصحاب المتعة والترياك”، توصيفاً لغالبية الزوار الإيرانيين لمرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، حالنا حال أهل كربلاء والنجف والكاظمية مع بعض الفوارق الأنثروبولوجية.

كان الزوار الإيرانيون من كبار السن والكهلة يأتون إلى سامراء وبرفقتهم فتيات لا تتجاوز أعمارهن العشرين عاماً حين كنا نسأل نجاب بأنهن زوجات مُتعة، كانوا يتعاطون الترياك أيضاً ولم ينتقل تعاطيه إلى أهل المدينة، وأعتقد لست متأكداً بأن أهالي كربلاء والنجف والكاظمية نادراً ما كانوا يتعاطوه رغم امتزاجهم الاجتماعي مع الإيرانيين خصوصاً في كربلاء والنجف. فقد اشتهر الشباب العراقيون بشرب الخمر بأنواعه الحادة.

رابط الموضوع أن إيران للأسف جارة أبدية لم يأتينا منها الخير والمحبة، والأخطر مجيء نظام سياسي يعتبر قادته أنفسهم مرسلين من الله لإنقاذ المسلمين، والعرب خاصة، وتخليصهم من مسلسل تاريخ مغلّف ببطولات الفتوحات وما تلاها من إمبراطورية رموزها وقادتها وعلماؤها وشعراؤها وأهلها جهلة لا يعرفون أكثر من ركوب الخيل والحمير، لا بدّ من عودة إمبراطورية النار بعد مسح جميع آثار تاريخ مركز الحضارة في بغداد ودمشق وإزالة رمز العرب والمسلمين مكة ببديل قادم من قُم.

برنامج التدمير استهدف الإنسان العراقي وقلبه الشباب قبل البنية التحتية، نفذ مراحله الأولى قادة اليمين الأميركي أمثال رامسفيلد الصديق الحميم لزعيم حزب الدعوة إبراهيم الجعفري، من خلال الحصار المُدّمر لثلاثة عشر عاماً.

بعدها تم تنفيذ أبشع إبادة بشرية أبدع النظام الإيراني فيها، بدأت بقتل معظم أبناء الجيل العراقي المتمسكين بوطنيّتهم وعروبتهم تحت عناوين سياسية مخادعة كالتبعية لنظام صدام حسين، انتقلت إلى المرحلة الأخطر في تدمير شباب الجيل الحالي بواسطة إغراقهم في بحر الموت المخدرات، بعد تأسيس نظام سياسي مهمة قادته سرقة الأموال وتقاسمها مع الوالي صاحب وصفة التدمير.

في العراق تتشكل أخطر ثلاثية تصيب الشعب العراقي، لم تنل شعوباً أخرى في العصر الحديث مثيلا لها في المستوى، هي الفساد والإرهاب والمخدرات.

فالمخدرات آفة عالمية دائمة خطورتها على الإنسانية تتجاوز كوارث الأوبئة الطارئة مثل كورونا أو الإرهاب أو الفساد المالي. لم تتمكن أعلى منظمة عالمية، الأمم المتحدة، من إزالة مخاطرها أكثر من توصيفها وتقليل خطرها، حتى إن بعض الدول المتقدمة في أوروبا لجأت إلى إجازة تعاطي المخدرات، أهونها الماريجوانا، ودفعت الولايات المتحدة المتضررة الأكبر إلى جواز تعاطيها مؤخرا في خمس ولايات بينها أريزونا المحاذية للمكسيك المصدر الرئيسي للمخدرات.

كان العقل التدميري مدركاً أن أداة الموت الفعّالة في العراق هي المخدرات، لهذا تم اختيار أكثرها فتكاً، في استغلال مهين للبيئة الحاضنة الفقر والتخلف والجهل في مناطق وسط وجنوب العراق. لم يعد الترياك الإيراني ولا الحشيشة والهيروين القادم من أفغانستان نافعة للقتل الجماعي مثلما ابتكرته عقول وصفة الموت “الكريستال”.

اختيار مدينة البصرة كمركز لتجارة المخدرات وتعاطيها ليس عبثاً في الجغرافية السياسية، لما شكلته في المراحل المتأخرة من تاريخ العراق السياسي من رمز لصمود العراقيين في وجه الهجمة الخمينية والخامنئية، إضافة إلى قربها الجغرافي من بوابة الموت “الشلامجة”. كان مطلوباً أن تصبح البصرة قبل الموصل بسنوات قليلة علامة لإذلال العراقيين وإهانتهم وقتل شبابهم بالموت السريع والبطيء جميعاً.

ليس غريباً أن تتوارد الأخبار المؤكدة الأخيرة بإغراق مدينة الموصل بالمخدرات، فيبدو أن التقارير التي وصلت إلى مكتب مرشد قتل العراقيين في طهران تفيد باستفاقة أهل الموصل من الضربة الوحشية التي نفذها داعش والميليشيات والأميركيون، وإنهم قادرون على لملمة جراحهم رغم بروز طبقة سياسية فاسدة من داخل بيئتهم موالية لأحزاب شيعة السلطة، فدخل مشروع القتل بالمخدرات حيز التنفيذ.

تفصيلات واقع مدن وسط العراق وجنوبه، خصوصاً بين أوساط الفقراء، مُحبطة، وسط تواطؤ قيادات الأحزاب التي انكشفت دعاواها المزورّة بالدفاع عن الشيعة. كما لم تتحرك الحكومات المتعاقبة منذ عام 2005 لمواجهة جادة لتصاعد كارثة الموت والضرر النفسي والاجتماعي للمجتمع العراقي، لدرجة أن رئيس الوزراء السابق عادل عبدالمهدي وصف مصدر المخدرات في العراق الأرجنتين وسط تندر العراقيين بتسمية إيران بالأرجنتين.

لا يتردد مجلس القضاء الأعلى وكأنه يتفاخر بالإعلان أن نصف شباب العراق يتعاطون المخدرات، أمام عجز كامل عن مواجهة جدّية لهذه الكارثة. في وقت تبدو جهود أجهزة الحكومة متواضعة، رغم الدعاية المبالغ فيها لمتابعة المتاجرين والقبض على أفراد من الحلقة الصغيرة المتمثلة ببعض البائعين أو الوسطاء دون المساس والتحرش برؤوس المافيا الكبار، وهم زعماء ميليشياويون مهيمنون على المنافذ الحدودية ومراكز بيع المخدرات وتوزيعها.

قد نكون قاسين في الحكم على رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي في هذا الملف لأنه أكبر من قدرته حتى على تناوله في الإعلام، فهو غارق في قصة أكبر هي سيطرة الميليشيات الولائية على الساحة الأمنية العراقية وهيمنتها على الساحة الانتخابية، وما يمكن أن يحدث من احتكاكات وصدامات بين الفصائل الشيعية الولائية وأتباع مقتدى الصدر العازم على اختطاف رئاسة الوزراء من أيديهم.

في لقاءات الكاظمي مع أعضاء حلف الناتو في بروكسل قبل أيام لم يعرض في ملفه الدعائي فقرة المخدرات، مع أن فيها نقاط اشتراك على المستوى العالمي لا تقل عن الإرهاب، وقد كان مديراً للمخابرات ويعلم من أين يبدأ وأين ينتهي، كما أنه يعاني من ضغط الميليشيات والكهرباء، ومن عجز مستشاريه الذين يمتلكون إمكانيات متواضعة لتسويق رئيسهم لشعب العراق قبل العالم الخارجي والأوروبي بشكل خاص.

نعلم أن دعوتنا لمواجهة هذه الكارثة تبدو نظرية بسبب الانهيار الحاصل في البلد، لكن من الضروري الإشارة إلى أن على غالبية المعممين الشيعة الكذابين، بدلاً من إغراق مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية داخل العراق بمسلسل الجهل والخرافة وإثارة الكراهية وشتم الصحابة، أن يتوجهوا إلى الشباب العراقي المُبتلين بآفة المخدرات ونصحهم دينياً ومذهبياً وأخلاقياً للتخفيف من هذه الكارثة الكبيرة.

الحل الحقيقي هو الثورة الشاملة على الطبقة السياسية الفاسدة، ولو أن واحدة من مفردات ما يحصل في البلد من كوارث حصلت في بلد آخر لخرج الناس في الشوارع ثائرين.

لا نريد إساءة الظن بشعب العراق، رغم يقيننا أن ما أصابه خلال هذه السنوات من عمليات تخريب عبر السلاح المذهبي الذي يقوده رجال الدين المزيفين لن يتعافى منه بسهولة.

نقلاً عن صحيفة "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.