.
.
.
.

لقاء الذكريات.. مع سمو رئيس الوزراء

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

في يوم الإثنين الماضي، كان لي موعد مع سمو رئيس الوزراء الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، حملت له نسخة من كتابي الجديد «مشاهدات عبدالله بشارة بين «الخارجية» والأمم المتحدة»، ولأنه على اطلاع على الحياة داخل مبنى الأمم المتحدة وعارف بتنوع اهتماماتها وراصد للتباين في نجاحها وفي اخفاقاتها، فقد أتاح لي اللقاء لأتحدث في قضايا الساعة التي تشكل أولوية المواطن وأبرزها إدامة الأمن والاستقرار وترسيخ الوحدة الوطنية بكل أنواعها، وأهم الانطباعات التي خرجت بها بأن سمو رئيس الوزراء ملم بقضايا الساعة، وهي الملف الملح الذي يرافقه في اجتماعاته، كما أنه مدرك لما يرنو إليه المواطن في تحقيق الانسجام الداخلي في المسار السياسي والتقدم في دروب التنمية اقتصادياً واجتماعياً، وخرجت منه حاملاً التأكيد بأن سمو رئيس الوزراء وبدعم من القيادة العليا، مؤتمن على الإبحار بالكويت نحو ما تريده من أهداف، وعازم على مواجهة الأعاصير التي تعترض الوصول إلى الهدف المنشود.
لم يسعفني الوقت لاستعراض أحلامي كمواطن بسبب ارتباطاته باجتماع مجلس الوزراء، لذلك رأيت أن أسجل بعض هذه الأحلام عبر المقال الأسبوعي الذي تنشره صحيفة القبس كل يوم إثنين من أيام الأسبوع، فعندما أستعرض شريط الأحداث التي مرت بها الكويت منذ الاستقلال، أقف عند ثلاثة فصول كنت ضمن الفريق الكويتي فيها، سواء كدبلوماسي أو كأمين عام لمجلس التعاون.

كان الفصل الأول الذي أدار أحداثه المرحوم الشيخ عبدالله السالم وبعده الشيخ صباح السالم، كانت الأولويات الحفاظ على الكويت المستقلة حديثاً من أطماع نظام عبدالكريم قاسم، قائد الثورة العراقية، وكانت أهم الوسائل التي كانت في حوزة الشيخ عبدالله السالم هي حسن إدارة الأزمة دبلوماسياً مع بريطانيا، ومع الجامعة العربية، كان الشيخ عبدالله السالم وكذلك الشيخ صباح السالم، ملتزمين بالتشاور مع بريطانيا ومع المملكة العربية السعودية، الأولى الدولة التي تحملت تأمين الهوية الكويتية وصون سيادتها، والثانية لاحتضانها استقلال الكويت، ورعايتها كدولة، وتبنت مساعيها نحو الجامعة العربية، مع إرسال قوة من ألف جندي للمشاركة في الدفاع عنها مع تقبل أعباء المواجهة، وبدعم هذه الثنائية، أدار الشيخ عبدالله الأزمة في علاقته مع الجامعة العربية التي كان يريدها الرئيس المصري جمال عبدالناصر بديلاً عن الوجود البريطاني، واستمر الشيخ عبدالله السالم مراعياً الواقعية، قادراً على عزل التمنيات، ومرحباً بالممكن، وانسجاماً مع هذا الواقع خرجت القوة البريطانية وجاءت القوة العربية، بمعانيها الرمزية، فهي قوة ردع سياسية وليست قوة حرب، وتعاملت الكويت معها وفق هذه الحقيقة.

كان الشيخ عبدالله السالم مقتنعاً بألا يحمِّل الجامعة العربية فوق طاقتها، مع حرصه على التواصل السياسي والدبلوماسي مع بريطانيا والمملكة العربية السعودية، وأتذكر أنني نقلت له ملفاً عن «حرب اليمن» طلب مني المرحوم الشيخ صباح الأحمد إرساله إلى الأمير، فقرأه ثم التفت نحوي طالباً أن أذكر وزارة الخارجية بأن العلاقات مع المملكة العربية السعودية هي ترابط استراتيجي وأن الأنظمة العسكرية تتبدل فقد يأتي طقم عسكري آخر غير مضمون.

وواصل الشيخ صباح السالم دبلوماسية الوفاء للجامعة العربية والالتزام ببنود الاتفاق معها، مع تطورات جاءت من قناعة القيادة بأن الكويت ترتاح عندما يسود التوافق العربي، ومع تولي الشيخ صباح الأحمد وزارة الخارجية، انطلق بدعم من الأمير، الشيخ صباح السالم، بدبلوماسية حسن المساعي والتوسطات الكويتية متوجهاً غرباً في شمال أفريقيا، وشرقاً في حوض الشام، وجنوباً نحو اليمن، وخليجياً نحو مساعي توحيد الإمارات، وحقق الكثير عندما تتوافر الإرادة لدى الأطراف المعنية، وكرديف لدبلوماسية الوساطات جاء صندوق التنمية عنواناً لدولة الكويت في التواجد في خطط التنمية العربية.

جاء الفصل الثاني في حياة الكويت المستقلة مع تولي المرحوم الشيخ جابر الأحمد قيادة الدولة عام 1977، ومبايعة المرحوم الشيخ سعد عبدالله السالم ولياً للعهد، ورئيساً للوزراء، واستمر حتى تولى الشيخ صباح الأحمد الحكم في عام 2006.

شهدت هذه الفترة انجازات داخلية، كما تعمقت جذور الدولة عربيا وعالمياً، وتسيد الرخاء والاستقرار، لكن ذلك تأثر بإفرازات حرب أكتوبر 1973، واتفاقية كامب ديفيد، والحرب العراقية ــــ الإيرانية، وقيام مجلس التعاون، وأخيراً الغزو البائس.

ومع ذلك استوعبت الكويت دروساً كثيرة من مأساة الغزو، فأصبح أمنها مضمونا برابطة مجلس التعاون وبالتحالفات الاستراتيجية الثنائية، ونشأ من هذا التحالف رابطة خليجية ــــ عالمية وفرت متانة للدبلوماسية الكويتية التي أصبحت تتحرك وتتصرف بيقين وتتابع بحذر وتستعد للمفاجآت.

ويمكن القول إن أهم الدروس التي مست آلية اتخاذ القرار هي خروج الكويت من خيوط البطء والتخلص من التردد في تبني قرارها الإستراتيجي، مع تواجد الفطنة لدى القيادة لتطويع القرار الصعب، فالقضايا الإستراتيجية والتعامل معها بحزم ويقظة وتنفيذه في الوقت الساخن هو الضامن للاستقرار والطمأنينة.

جاء الغزو من الارتياح لنوايا حملها زوار المساعي الخيرة، ولم يكن في البال بأن الشر مستوطن في قيادات تتحلى باللطافة وشعارات التآخي، كان العيب فينا لتجاهلنا حقائق المنطقة في دوام التآمر وتدبير الانقلابات.

جاء الفصل الثالث، مع قيادة المرحوم الشيخ صباح الأحمد الجابر عام 2006، بعد وفاة الشيخ جابر، وانسجم الشيخ صباح مع واقع النظام الإقليمي الجديد الذي ساد المنطقة بعد تحرير الكويت وسقوط النظام العراقي الذي حكم العراق بالمشانق والاعدامات، لكنه أضاف ما يمكن وصفه الإبحار في الفضاء العالمي، حاملاً هموم الكويت، وعارضاً سخاءها باستضافة مؤتمرات عالمية لإعادة بناء دول دمرها حكامها مثل العراق وسوريا، وتطوع لإنقاذ لاجئين هربوا من بطش حكوماتهم، وانفتح على أركان العالم متواجداً بالدعم والمؤازرة.

وفي عصره استوعبت الكويت دروس الغزو وأدارت وجهها نحو الخطوط الدبلوماسية التي فرضتها حقائق التحرير، فكان قراره حازماً في المسار الداخلي، وحاسماً في توقيته، وكان ملاحقاً تبدلات الوضع الداخلي، متواجداً في شدتها وحاضراً لعلاجها، مع تكثيف إسهاماته في السخاء المستحق للمحتاجين في هذا العالم، فكان اعتراف الأمم المتحدة بهذا الدور متجسداً في اختياره زعيماً للانسانية..

توفي الشيخ صباح الأحمد في سبتمبر 2020.

ومع تولي سمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح الحكم، تدخل الكويت الفصل الرابع، مطمئنة بأن تركة الشيخ صباح الأحمد للقيادة تمثل ثروة الاقتباس وخزينة للمتابعة، تضيء الطريق بضرورة الصلابة عند الأزمة والفعل وقت الضرورة.

هناك ملاحظتان، الأولى، التذكير بأن الشراكة مع الحلفاء تستدعي التواجد في ساحة الحوارات مع الحكومات ومع المجتمعات خاصة التي لها تواجد داخل الكويت، وتنشيط قنوات التفاهمات بين المجتمعات وتأكيد المصالح المشتركة وتبادل الزيارات وتسويق الخصوصية الكويتية، وبشكل متواصل لإبقاء الحيوية في العلاقات، والملاحظة الثانية، تأكيد الحياة البرلمانية مهما كان صداعها، فيظل الدستور منصة الاستلطاف والإعجاب الذي تحمله الأسرة العالمية للكويت.

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة