.
.
.
.

مصرى (حر) فى إسرائيل!

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

هل هى مصادفة أن يصل وجيه غالى إسرائيل ويكون فى «تل أبيب» يوم ٢٣ يوليو سنة ٦٧؟

طبقًا ليوميات وجيه فإن هذا الأمر لم يكن فى باله، لكنه ربما كان واردًا لدى السفارة الإسرائيلية فى لندن، التى منحته التأشيرة ثم بقية الإجراءات، ربما قصد أحد الأطراف أنه بينما تحتفل مصر رسميًّا بعيد ثورة يوليو يكون هناك فى إسرائيل مواطن مصرى (حر) كما يطلق على نفسه، للتمييز بينه وبين أسرى الحرب الذين كانوا لا يزالون محتجزين لدى إسرائيل، ويشارك- هذا المصرى- فى احتفال بأحد فنادق القدس (الغربية) ينظمه جنرال فى الجيش الإسرائيلى بالانتصار على الجيوش العربية، لكن الرحلة عمومًا كانت أكبر من أن تكون عملية مكايدة سياسية لمصر أو للرئيس عبد الناصر شخصيًا، كما يذكر ابن خالته، فى حوار بمقدمة الجزء الثانى من الترجمة العربية لليوميات.

قضى وجيه ثلاثة أسابيع فى إسرائيل، وبمجرد وصوله سوف نكتشف أن لديه أصدقاء إسرائيليين تعرف بهم من قبل وتعامل معهم فى لندن، وقدموا له كثيرًا من التسهيلات هناك، ومن يومياته ندرك أنه منذ غادر مصر سنة ٥١، لم يكن لديه أى «فيتو» خاص فى التعامل وصداقة مواطنين ومواطنات إسرائيليات، لم يشعر بحساسية ما تجاه هذه العلاقات من المعرفة العادية وحتى الصداقة أو العلاقة العاطفية والجنسية مع سيدة، وعمومًا فإن بعض الأمور التى يمكن أن تثير قلق ومخاوف أو احتراز الإنسان العادى، ما كانت تشغله هو.

حين كان على وشك السفر أراد بعض الأموال فى جيبه منحته «الأوبزرفر» خمسين جنيهًا، ولم يكن مبلغًا كافيًا بنظره، فذهب إلى منظمة «تارزى» وحصل منها على مائة جنيه، ويقول عن تلك المنظمة «لن أندهش إذا كانت منظمة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية».

فى المطار فى تل أبيب، سأله ضابط الجوازات الأسئلة المعتادة عن سبب الزيارة ومتى كان فى مصر آخر مرة...«لم يكن هناك كثير اشتباه فى أى عداء فى لهجته، كما اعتقد، وإنما كانت نبرة احتقار»، هل كان الأمر كذلك بالفعل أم أنها حالة شعورية ونفسية سيطرت عليه هو، سوف يظل هذا الشعور يراوده مع دهشة الجميع فى المطار من أن هذا القادم مصرى؟ خاصة أن من التقاهم فى المطار حدثوه باللغة العربية وباللهجة المصرية تحديدا، ساءه أنه لم يجد أى مسؤول رسمى فى استقباله بالمطار، رغم أن هناك من أكد له ذلك فى لندن وهذا ما جعله يرتدى حلة رسمية فى الطائرة، ورغم اندهاش الجميع فى المطار من وجوده، وبعض الشكوك التى جعلت رجال الأمن يصارحون بأن دخوله يتجاوز اختصاصاتهم؛ لذا راحوا يتصلون بمسؤولين أعلى، لكن تم إنهاء الإجراءات بسرعة وخرج نحو فندق حددته له موظفة بالمطار...«بعد خوفى المبدئى الذى لا مبرر له، شعرت أنه ما من شىء كان علىَّ الخوف منه».

مارس حياته وأيامه فى إسرائيل كسائح فى المقام الأول، قبل أن يكون صحفيًّا، ولم يحد أحد هناك حركته «ربما لم أتابع ولم أراقب بالضبط، لكننى كنت موضع تحكم على الأقل»، ويذكر أن هناك من ظل يراقب باب غرفته بالفندق، ناهيك عمن راح يتتبعه هنا وهناك، يضاف إلى ذلك أنه كان بين مجموعة أصدقاء وصديقات أحكموا حصارًا حوله من الكرم الباذخ هم وآخرون من المحيطين بهم، وسوف ندهش أنه لم يطلب لقاء أى شخصية فلسطينية من الأعيان أو حتى من المواطنين العاديين، دبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية زيارة له إلى القدس وإلى غزة، فى غزة وجد نفسه محاطًا بمصريين، ومع ذلك لم يذكر شيئًا عما دار بينه وبينهم ولا أى شىء عنهم، كيف كانوا وكيف استقبلوا زيارته تلك؟

نحن أمام حالة من القلق أو الاضطراب النفسى، ربما يكون نابعًا من اللحظة المليئة بالتناقض والموقف المربك الذى عاشه فى إسرائيل، وانعكس ذلك على يومياته، فى لحظة يبدو مفتونًا بإسرائيل والإسرائيليين وحين يتبدى له زهو الإسرائيليين بأنفسهم، يظهر الجانب الليبرالى، ويذكرهم بأن إسرائيل كانت إلى جوار فرنسا فى حرب (الاستقلال الجزائرية) وأنها تساند حكومة جنوب إفريقيا فى «الأبارتايد»، وتساند الإدارة الأمريكية فى حرب فيتنام وأن الطائرات البريطانية تعبر الأجواء الإسرائيلية تجاه عدن، ولكن فى لحظة أخرى يبدو ناقمًا على إسرائيل بشدة من لحظة وجودها.

فى جولة بالقدس القديمة ومعه فتاتان أمريكيتان (يهوديتان) من المفتونات بالنصر الإسرائيلى، حدث المشهد والحوار التالى.. «كانت الجرافات تمحو كل شىء حول سور المدينة القديمة.

«ماذا كان هنا؟»، تسأل إنجريد.

- هنا منازل عربية، بالتأكيد.

- ماذا حدث لها؟

- «قصفت».

- وهذا؟ تسأل مشيرة إلى كومة من الطوب.

- كان ذلك، قلت، ديرًا.

دعك من هذا الوصف الحاد، إذ يواصل القول «أخبرتهن عما حدث بعد الحرب العالمية الأولى وفلسطين، وكيف أعطاها البريطانيون إلى إسرائيل».

فى نفس اليومية، ٥ أغسطس، يكتب «هذا الشعور بأن الصناعة والبناء الإسرائيليين قاما بغزوى اختفى الآن تمامًا تقريبًا، وأجدنى غاضبًا وأشعر أن الفلسطينيين والأردنيين والعرب يدفعون بعيدًا، والدعاية الإسرائيلية برمتها تفوح نتانة من النفاق والأكاذيب».

ويقرر أن يرتدى زيًّا عربيًّا ويتجول فى القدس وحده، ونعرف منه أن هذه ليست زيارته الأولى للقدس، زارها منذ سنوات، متى وكيف؟ لا يتطرق هو إلى تلك التفاصيل.

الفلسطينى الوحيد الذى أراد أن يتحدث معه- وجيه غالى- عن معاناته هو وعرب ٤٨، فوزى، كان يعمل فى مكتب «يورى أفنيرى»، سوف يتردد هذا الاسم بعد ذلك فى القاهرة على لسان على سالم وآخرين غيره، باعتباره من دعاة السلام، وجيه لم يسترح له واعتبره متكلفًا، فوزى شكا لوجيه من أنهم يعاملون فى دولة إسرائيل كمواطنين من الدرجة الثانية، ليس من السهل عليهم الحصول على جواز سفر، مثلا، فضلًا عن كافة الحقوق، لم يتعاطف معه وجيه، وتشكك فى شكواه، هل هى حقيقة أم مشاعره الخاصة، ثم راح يتجنب لقاءه.. «هذه الهزيمة المهينة للمصريين والعرب.. لم تغير كثيرا موقفه من عبد الناصر أو العداء لإسرائيل» ويقول عنه كذلك «شخص ممرور ويائس وملىء بالكراهية تجاه اليهود، لا أستطيع أن أفهم كيف يمكنه تحمل العيش على هذا النحو».

كان تركيزه فى هذه الزيارة على إسرائيل والإسرائيليين، طلبت منه صحيفة محلية إسرائيلية أن يكتب لها مقالًا عن زيارته فكتب، سعد لهذا الطلب لأن مكافأة المقال سوف تساهم فى نفقاته هناك، عدد من الصحف الإسرائيلية كتبت عنه وعن زيارته، بالتالى كانت الزيارة مكسبًا كبيرًا لإسرائيل، الأمر الذى أزعجه، خاصة حين يتجول فى القدس القديمة، حيث بدأ البعض يتعرفون عليه، لا سيما من الفلسطينيين، لكن رسائله إلى الصنداى تايمز نشرت فى لندن وحققت قدرًا من النجاح أسعده.

فى إحدى جولاته بالقدس فوجئ بكنيسة مصرية، دخلها، واكتفى بأن وصف لنا سلمها الداخلى، لكن لم يحاول حتى التجول داخلها، ويذكر شيئًا عنها، كان هناك رجل دين مصرى داخلها، فى الأعلى، بجوار السلم، رحب به، لم يصدق رجل الدين أن ذلك العابر، مصرى وأنه قبطى، فقدم له جواز السفر ليتأكد، شكا رجل الدين من عدم وجود بريد من مصر وإليها كى يطمئن على أهله، وعده بأن يمر عليه ثانية ويتسلم رسالته إلى أهله ويرسلها بدوره إليهم من لندن، ولم يفعل. فى سياق آخر تحدث عن رجال الدين الأرثوذكس بكلام أقرب إلى الروح العنصرية، كان يقارنهم بحاخامات اليهود الذين رآهم فى إسرائيل ومشايخ المسلمين.

هذا هو الجانب السياحى أو «الخفيف» فى تلك الرحلة، وليس من المعقول أن تمول جريدتان فى لندن رحلة وكذلك مؤسسة ثالثة، يشك وجيه نفسه فى أنها تتبع المخابرات الأمريكية، من أجل أن يقوم صحفى- غير محترف- بالتجوال داخل إسرائيل والسهر فى بعض البارات وقضاء أوقات ممتعة مع بعض السيدات، هناك الرسالة والهدف السياسى.

الحديث متصل.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة