.
.
.
.

اختبارات أمنية كبرى في أفغانستان وحولها

حسن أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

على وقع الانسحاب الأمريكى من أفغانستان، متبوعاً بانسحاب قوات الدول الغربية والناتو، تكررت بكثافة كبيرة الهجمات الصاروخية التى تعرضت لها القوات الأمريكية فى كل من العراق وسوريا والتى تقود رسمياً تحالفاً دولياً لمناهضة «داعش». فى الوقت ذاته، وفقاً لتقرير نشرته الجارديان البريطانية قبل يومين، تقوم القوات العراقية الخاصة بعمليات مطاردة لمسلحين يعتقد أنهم من بقايا «داعش» فى مثلث من الأرض بين كركوك فى الشمال وبيجى فى الغرب وسامراء فى الجنوب، وهى منطقة واسعة فى وسط العراق وتربط التلال والجبال فى الشرق كما تمتد غرباً إلى صحارى سوريا. ووفقاً للتقرير فهؤلاء المسلحون يعملون على إعادة تنظيم أنفسهم وتجنيد آخرين، تمهيداً لإعادة تجربتهم السابقة فى إنشاء كيان بمسمى الدولة الإسلامية فى أراضٍ عراقية وسورية.

ثمة مشتركات عديدة بين هذه التطورات رغم اختلاف عنصر الجغرافيا. أبرزها ثلاثة؛ أولها انسحاب أمريكى ودولى بعد عقدين دون أن يحقق أهداف الحملة العسكرية فى إعادة بناء الدولة الأفغانية خالية من التطرف ومن الجماعات المسلحة المناهضة لفكرة الدولة الحديثة نفسها، وثانيها أن «داعش» تظهر فى البلدان الثلاثة، ومعها عودة طالبان بقوة على حساب الحكومة الأفغانية المدعومة من الغرب والمعترف بها دولياً، ومجموعات الحشد الشعبى فى العراق على حساب مؤسسات الدولة، ومجموعات موالية لإيران تتحرك بخفة فى سوريا، وتوظفها دمشق أحياناً لمواجهة القوات الأمريكية وحلفائها من الأكراد.

وثالث المشتركات هو عنصر التزامن، فالتطورات الثلاثة تحدث فى اللحظة الزمنية ذاتها، ما يعنى أن هناك علاقة يمكن تفسيرها بالأثر النفسى الناتج عن الانسحاب الأمريكى والغربى، الذى رأته القوى المناهضة باعتباره دليلاً على الفشل الجسيم من جانب رغم فارق القوة المادية، ومحفزاً من جانب آخر على تكرار نموذج طالبان فى إجبار الأمريكيين والغرباء بشكل عام على الخروج من البلاد التى توجد فيها، وترك مصيرها لأهلها يحدده توازن القوى المحلى بدون أى تدخل خارجى. الأثر النفسى امتد أيضاً إلى منطقة الساحل والصحراء، حيث ارتفاع معدلات الهجمات من الجماعات التابعة لداعش أو حتى المنشقة عليها، ما جعل فرنسا وفقاً للرئيس ماكرون تستعد للانسحاب من مالى وتشاد، وكلاهما يعدان مركزاً مهماً لعمليات فرنسا العسكرية فى أفريقيا.

فى كل من العراق وسوريا، رغم الفوارق الكثيرة فى الحالتين، توجد قوى عديدة تعمل على إجبار الأمريكيين على الخروج، منها بقايا داعش ومنظمات الحشد الشعبى العراقية والجماعات الموالية لإيران فى سوريا، ولكل هدفه الخاص، فبقايا داعش يسعون إلى الانتقام من أكبر القوى العسكرية فى عالمنا المعاصر التى أسهمت فى هزيمة مشروعهم التاريخى لبناء خلافة إسلامية وفقاً لمدركاتهم، أما الجماعات الأخرى فتختلط لديها المحفزات والدوافع للهجوم على القوات الأمريكية بين محفزات ذاتية محورها المزيد من التمكن فى السياسة المحلية العراقية والسورية، ومحفزات أخرى تتعلق بالدولة الإيرانية الراعية، والراغبة بدورها فى إعادة صياغة الوضع الإقليمى ككل من خلال وكلائها المحليين، وفى الآن نفسه الضغط بطريق غير مباشر على المفاوض الأمريكى بشأن العودة إلى اتفاق البرنامج النووى الإيرانى ومن ثم رفع العقوبات.

الأثر النفسى مصحوباً بالأهداف الاستراتيجية للأطراف المحليين، سواء حكومات أو قوى مستقلة عن الدولة ومؤسساتها، يعطينا مؤشراً على احتمالات كثيرة، منها على سبيل الحصر احتمال زيادة فى الأنشطة الإرهابية والعنيفة للجماعات التى تعتبر نفسها إسلامية فى أكثر من بلد. فحول أفغانستان توجد عدة بلدان كباكستان والهند وطاجيكستان وأوزبكستان إضافة إلى أجزاء من إيران مرشحة للكثير من القلاقل الأمنية، سواء داخل حدودها، أو عبر التورط فى مواجهات مع خصوم تاريخيين فى الداخل الأفغانى نفسه. وتلفت النظر هنا الحملة الأمنية التى جرت فى موسكو قبل أسبوع ضد من وصفهم الأمن الروسى بأنهم خلايا نائمة تابعة لداعش، أسفرت عن وقف هجمات كانت تعدها تلك الخلايا. نلاحظ هنا أمرين مهمين؛ الأول أن الحملة الأمنية كانت فى العاصمة موسكو، والمفترض أنها مدينة مؤمَّنة إلى حد كبير، والثانى وجود خلايا نائمة، وهو وجود إن كان صحيحاً وتم اكتشاف بعضها، فمن يضمن أنه لا توجد خلايا نائمة أخرى لم يتم الوصول إليها، وتتحين الفرصة المناسبة للقيام بضربات موجعة مستقبلاً؟. وجملة الأمر أن المحفزات النفسية النابعة من عودة طالبان للواجهة باعتبارها قوة منتصرة ستعود إلى حكم البلاد بعد حرب ضروس ضد قوى دولية عتيدة، يمكنها أن تشكل دافعاً ومحفزاً لمنظمات وجماعات تؤمن بما تعتقد به طالبان فكرياً وسياسياً من أجل التحرك والعودة إلى العمل العنيف ضد حكوماتها، لعلها تنجح مثلما فعلت طالبان.

الانسحاب الأمريكى وإن شكّل مخرجاً للولايات المتحدة من ورطة عسكرية استراتيجية كبرى، لكنه يضع المنطقة فى وسط آسيا وجوارها القريب من الخليج أمام تحديات كبيرة، ناتجة عن تغير المعادلات الاستراتيجية، وأهمها أن أصحاب الأرض هم المسئولون عن مصيرها، كما أكد ذلك الرئيس بايدن لنظيره الأفغانى أثناء لقائهما فى واشنطن. وحتى القوى الكبرى كالصين وروسيا وأيضاً الهند، التى قد ترى فى انسحاب أمريكا والقوات الدولية من أفغانستان نوعاً من الانتصار المعنوى فى مواجهة القوة الأكبر فى العالم، لكنها لن تعدم مواجهة اختبارات كبرى بشأن أمنها الوطنى والناتجة عن التداعيات المرجحة إذا ما استولت طالبان بالقوة على العاصمة كابول وأصبحت الحاكم الأوحد للبلاد. أحد هذه التداعيات أن استيلاء طالبان بالقوة على الحكم لن يكون نهاية المطاف، فالمتوقع كما تشير مؤشرات عديدة أن تكون هناك عمليات مقاومة أفغانية مختلفة المستويات، والمرجح أن تدخل البلاد حالة فوضى عارمة، سوف يستفيد منها تنظيما القاعدة وداعش، اللذان ينتعشان فى بلاد الفوضى وغياب القانون وهشاشة المؤسسات.

الفوضى الأفغانية والحرب الأهلية إذا تحولت إلى واقع فلن تقف تأثيراتها عند حدود أفغانستان. بعض دول الجوار ستُجبَر على التدخل لصالح أحد الأطراف، أو بدافع مواجهة التنظيمات المسلحة كداعش والقاعدة. وبعضها سيبادر فى إنشاء قوى محلية تدين له بالولاء على حساب أفغانستان نفسها، وتجربة إيران فى عدد من الدول ماثلة فى الأذهان. وفى حال كهذه ستتحول البلاد إلى ساحة لتصفية حسابات تاريخية بين دول مجاورة، وساحة لاكتساب نفوذ معنوى وسياسى فى مواجهة الخصوم الإقليميين. إنها جملة من الاختبارات والمواجهات الكبرى المنتظرة، وعلى الجميع أن يتحسب لنتائجها وتداعياتها.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.