.
.
.
.

فى وداع جيهان السادات

فاروق جويدة

نشر في: آخر تحديث:

فى جنازة مهيبة تقدمها الرئيس عبدالفتاح السيسى والسيدة الفاضلة قرينته، رحلت السيدة جيهان السادات .. تحمل تاريخا طويلا من الذكريات والأحداث والانتصارات التى حملها المصريون لهذه السيدة العظيمة .. التى تركت خلفها كثيرا من مشاعر الحب والتقدير والعرفان .. لم تكن جيهان السادات قصة عابرة فى حياة المصريين، لأنها عاشت أكثر من حياة وأكدت دائما حبها لهذا الوطن العظيم .. عاشت مشوارا طويلا من التضحية فى ظل رجل من رموز هذا الوطن..

> إن حياتها بجانب زعيم فى حجم وتاريخ وتضحيات ومواقف أنور السادات لم تكن حياة عادية .. نحن أمام شهيد قدم حياته فداء وطنه وأمام صاحب قرار أعاد كرامة امة واسترد آخر حبة رمل من تراب وطنه بالدم والشهادة .. إن الحديث عن جيهان السادات حديث يطول وقد اقتربت منها زمنا طويلا .. وعرفتها وهى السيدة الأولى بكل ما حمل المنصب من البريق والأضواء وعرفتها وقد انسحبت الأشياء كل الأشياء ودخلت دائرة الظلال .. وفى مشوارها الحافل الطويل لم تتغير فى شيء بقيت دائما الإنسانة الواثقة المتواضعة البسيطة.. حتى فى تلك اللحظات التى واجهت فيها عواصف النكران والجحود كانت أكثر ترفعا ووفاء..

> كانت تحب الشعر وتقدر الشعراء كان صلاح عبدالصبور من الشعراء القريبين إلى قلبها وقد حزنت عليه حزنا شديدا وسألتنى عن قصة رحيله الدامية وزارت أسرته وزوجته وكانت دائمة السؤال عنهم .. كانت تحب شعر نزار قبانى وكانت صديقة لسعاد الصباح فترة طويلة من الزمن .. وكانت تقدر لويس عوض وسهير القلماوى وعائشة راتب ومجدى وهبة ومحمد عنانى وسمير سرحان وكانت تستعين بهم فى الإشراف على رسالة الماجستير والدكتوراه فى قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة .. خاصة إنها اختارت الأدب المقارن موضوعا لها بين جماعة ابولو ومدرسة الرومانسيين فى الغرب..

> فوجئت يوما بالسيدة جيهان السادات تطلبنى وذهبت إليها وقدمت لى عددا من قصائدها الشعرية .. وكان بعضها عن مشاعرها كزوجة والرئيس السادات فى رحلته التاريخية للقدس .. وقرأت الكلمات وكانت صادقة ومعبرة وقلت لها إن نشرها بتوقيع جيهان السادات سوف يثير جدلا كبيرا .ولهذا اقترح اسما مستعاراً وذهبت إلى الأستاذ على حمدى الجمال وهو من أنبل من تعاملت معهم وحكيت له القصة وقلت له ننشر القصائد فضحك وقال يا أستاذ دا قرار جمهوري.. ويومها اتفقنا أن يكون الاسم رحاب مع لقب العائلة رؤوف ونشرت أكثر من قصيدة بالاسم المستعار رحاب رؤوف وهو فى الحقيقة جيهان السادات..

> كانت لها مواقف كثيرة معى كنت انشر مسرحيتى الوزير العاشق فى حلقات وفجأة تقرر وقف نشر المسرحية وحين علمت غضبت .. ورغم أن المسرحية لم تقدم على المسرح إلا بعد رحيل الرئيس السادات فإننى دعوتها وشاهدتها فى مسرح السلام .. وبكت كثيرا لحظة اغتيال البطل عبدالله غيث أمام سميحة أيوب فى نهاية المسرحية وقالت لقد شاهدت أنور السادات وكأنه الوزير العاشق.. فى يوم من الأيام كتبت قصيدة كان عنوانها «يقولون سافر» واتصلت بى وقالت عندك مشاكل شعرت بذلك فى قصيدتك قلت لها متاعب فى العمل وقالت لا أتصور أن تترك مصر قلت لها إنها مجرد أحزان عابرة ..

> كنت دائم السؤال عنها فى رحلة مرضها ما بين أمريكا والمركز الطبى للقوات المسلحة .. وكانت تقول إن الرعاية فى المركز المصرى لا تقل عن العلاج فى أمريكا .. وفى السنوات الأخيرة كانت تتحدث كثيرا عن اهتمام الرئيس عبدالفتاح السيسى والسيدة قرينته بها خاصة أنها لم تلق التقدير الكافى بعد رحيل الرئيس السادات .. بعض الناس بعيدا عن الألقاب والمناصب والأضواء يمنحون الحياة قدرا كبيرا من الأمن والإنسانية .. ولا شك أن غيابهم خسارة لا تعوض والسيدة جيهان السادات بعيدا عن لقب السيدة الأولى والأضواء وحتى الظلال .. سوف تبقى رمزاً عزيزاً فى حياة المصريين حضوراً وغياباً..

> هى سيدة أحبها المصريون وهى تقف بجوار زوجها فى المحن والأزمات وهى تعالج المصابين وتزور اسر الشهداء ثم وهى ترى زوجها يسقط أمامها شهيدا فى سبيل الوطن .. أشياء جميلة ترحل من حياتنا وتترك خلفها الأحزان والألم وكثير من المصريين مثلى سوف يفتقدون جيهان السادات ..

> لقد أحب كثير من المصريين جيهان السادات وهى تعيش بين الأضواء والبريق كنموذج لامرأة مصرية عصرية متحضرة أمام العالم كله .. وأحبوها وهى تشارك فى خدمة وطنها بكل الصدق والإخلاص والتجرد وحين ابتعدت عن الأضواء ودخلت منطقة الظلال كانت حريصة على أن تقف مع كل من يطلب الدعم والمساعدة .. وكانت حريصة على أن تتواصل مع أعداد من الأصدقاء وتشارك فى المناسبات العامة فى الأنشطة الخيرية والخدمات العامة.. لقد تركت جيهان السادات خلفها مشاعر حب كثيرة لأناس أحبتهم وشاركوها مشوارها الطويل ..

> ومع رحيل جيهان السادات تنسحب صفحة من تاريخ مصر مع رمز من رموزها وهى بكل المقاييس تركت فى حياة المصريين ذكريات ومواقف كثيرة سواء اختلف البعض عليها او اتفقوا معها .. إلا أن التاريخ سوف يقول كلمته وقد كانت جيهان السادات قصة طويلة فى حياة رجل عظيم ..

> اذكر يوما أننى بدأت فى نشر حملة فى الأهرام كان عنوانها التطرف الفكرى مسئولية من، اقتربت فيها كثيرا من قضية الخلل الفكرى والتطرف لدى الشباب.. وطلبت من السيدة جيهان السادات أن تكتب فيها وبعد أن بدأت الحملة فوجئت بقرار وقفها بل وإحالتى للتحقيق وحين جلست أمام د. العطيفى قلت له إن فكرة الحملة كانت باتفاق مع السيدة جيهان السادات وأكملت الحملة وفيها مقال السيدة جيهان السادات..

> لقد تصور البعض يوما أن جيهان السادات كانت تتدخل فى سياسة الدولة حتى قيل إنها كانت تعين الوزراء .. ولا اعتقد أن شخصية أنور السادات بصرامتها وحسمها كانت تقبل ذلك ربما كانت تتدخل فى قضايا إنسانية أو ظروف صعبة أو أنشطه اجتماعية .. وكانت تطلب من المسئولين ما يدخل فى هذا الإطار ولكنها كانت تقدر كثيراً هيكل وأحمد بهاء الدين وأنيس منصور وموسى صبرى وتثق فى منصور حسن وعائشة راتب وبعض المسئولين الذين تستعين بهم فى خدمات الناس إلا أنها لم تصل فى نفوذها إلى تعيين الوزراء أو استبعادهم..

> كانت جيهان السادات تمثل نموذجا جديدا ومختلفا لزوجة رئيس الدولة وإن كانت اقرب إلى نموذج الحكم فى مصر ما قبل ثورة يوليو من حيث الحضور والمشاركة .. ورغم أن الرئيس السادات كان مصريا محافظا متدينا فإنه منحها لأول مرة لقب السيدة الأولى واصطحبها فى كل رحلاته الخارجية ولقاءاته مع زعماء الدول .. ومنحها حرية كاملة فى الأعمال والأنشطة الخيرية داخل مصر وربما عرضها ذلك لنقد شديد من التيارات الدينية المحافظة ولكنها لم تعبأ بذلك كله وكانت لها مواقف متشددة فيما يتعلق بحقوق المرأة مما آثار جدلا كبيرا..

> وكان الأستاذ هيكل يقول إن أنور السادات كان محظوظا بزوجته جيهان فقد أحسنت تربية أبنائها..

> إن تكريم الرئيس عبدالفتاح السيسى للسيدة جيهان السادات ومنحها وسام الكمال .. ودفنها بجوار زوجها الراحل فى النصب التذكارى وإقامة جنازة عسكرية لها فى تقليد يحدث لأول مرة، كل هذا كان تكريماً للمرأة المصرية وعرفاناً بدور زوجها بكل تاريخه فى خدمة مصر والدفاع عنها.. رحم الله جيهان السادات وعزائى لكل أفراد الأسرة السيد جمال السادات والسيدات نهى ولبنى وجيهان والملايين الذين أحبوها من أبناء الشعب المصرى الطيب الأصيل..

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.