.
.
.
.

في رقبة فيسبوك!

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:

تتسع دائرة الخلاف بين موقع «فيسبوك»، وبين إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، ويحشد كل طرف منهما أسانيده فيها ليكون هو الفائز في النهاية!
وعندما دخل إلى أرض المعركة بين الطرفين، الدكتور أنتوني فاوتشي، مستشار البيت الأبيض الطبي، كان ذلك دليلاً جديداً على اتساع نطاق ساحة الخلاف، وعلى أن الاتهام الموجه من جانب بايدن إلى الموقع، لم يعد اتهاماً سياسياً وفقط، ولكنه أصبح اتهاماً علمياً على لسان طبيب متخصص مثل فاوتشي.
القصة بدأت عندما كان الرئيس الأميركي يستعد لمغادرة البيت الأبيض قبل أيام لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، فقال رداً على سؤال من الصحافة إن «فيسبوك»: يقتل الناس!
وكان دليل بايدن على صحة ما يقوله، أن فيروس «كورونا» لا ينشط هذه الأيام ولا يختار ضحاياه، إلا بين الذين لم يحصلوا على اللقاح المضاد للفيروس، وهؤلاء لم يحصلوا عليه لأنهم لا يجدونه، وإنما لأنهم طالعوا معلومات مضللة عنه على موقع «فيسبوك»، وبالتالي، فالأمر في تقدير سيد البيت الأبيض أن الذين يفقدون حياتهم بسبب «كورونا»، إنما يفقدونها بسبب «فيسبوك»، قبل أن يكون ذلك بسبب الفيروس!
أما دليل مستشار البيت الأبيض الطبي فهو أن العالم لم يكن ليقضي على الجدري ولا على شلل الأطفال، لو أن الناس وقت انتشارهما واجهوا معلومات مضللة عنهما كما هو الحال مع موضوع «كورونا». ومعنى هذا الكلام أن بايدن ومعه فاوتشي يقفان على شاطئ وفي حوزتهما اتهام محدد، بينما يقف موقع «فيسبوك» على شاطئ آخر في المقابل، محاولا دفع الاتهام بما يراه من دلائل في يديه.
من بين دلائله أن أكثر من ملياري إنسان حول العالم حصلوا على بيانات مفيدة عن «كورونا» عن طريقه هو، وأن ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف أميركي استخدموا «فيسبوك» في التعرف على مكان الحصول على اللقاح، وفي التعرف على الطريقة التي سيحصلون بها عليه!
ولأن هذه الأرقام صحيحة في تقدير إدارة «فيسبوك»، فهي ترى أن اتهامات بايدن تنقصها الحقائق ولا يقوم عليها برهان يقول إنها تمثل الحقيقة!
وليس من الممكن حسم هذه المعركة لصالح أحد طرفيها من دون الطرف الآخر، إلا إذا جرى استطلاع رأي تقوم به جهة موثوق بها بين الأفراد الذين لم يحصلوا على اللقاح، ولا يريدون الحصول عليه مهما كانت الإغراءات، ومهما كانت الضغوطات التي يجدون أنفسهم خاضعين لها.
مثل هذا الاستطلاع هو الذي سيقول لنا من أين جاء الرئيس الأميركي بالاتهام الذي يلقيه في وجه موقع «فيسبوك»، وهو أيضاً الذي سيكشف لنا عما إذا كان اتهام بايدن هو اتهام له أساس يقوم عليه، أم أنه مجرد انطباع لديه مما يتابعه ونتابعه معه في مشهد «كورونا» العام؟!
ومثل هذا الاستطلاع هو الذي سيبين لنا ما إذا كان الذين يرفضون اللقاح، يرفضونه بناء على ما قرأوه من معلومات على مواقع التواصل الاجتماعي عموماً، وموقع «فيسبوك» خصوصاً، أم أن القضية لها وجه آخر لا علاقة له بهذه المواقع ولا بما تقدمه للناس حول العالم.
أقول ذلك ليس عن رغبة في تبرئة «فيسبوك» مما تعلقه الإدارة الأميركية في رقبته، فما يمكن تعليقه في هذه الرقبة من اتهامات ومسؤوليات كثير بل وكثير جداً، ولكن المسألة في حالة «كورونا» لها زاوية أخرى وربما زوايا، وهي زوايا يمكن من خلالها التعرف على حقيقة الأسباب التي دعت وتدعو الناس في كل مكان إلى الإعراض عن اللقاح.
من بين هذه الزوايا أن منظمة الصحة العالمية تبدو عاجزة حتى هذه اللحظة عن إثبات منشأ هذا الفيروس الذي أرهق العالم بما يكفي ويزيد، فليس معروفاً إلى الآن ما إذا كان هذا الضيف الثقيل قد انطلق من سوق الحيوانات البرية في مدينة ووهان الصينية كما قيل في البداية، أم أنه انطلق من معهد الفيروسات الموجود في المدينة نفسها بالقرب من السوق؟!
ورغم أن وفداً من المنظمة قد ذهب إلى المدينة بحثاً عن إجابة للسؤال، فإنه عاد كما ذهب، وإلا أن علامة الاستفهام الكبيرة التي كانت تسبقه إلى المدينة قد تحولت إلى علامات بعضها إلى جوار بعض، وكلها تبحث عن إجابات تبدد ظنون الكثيرين في كل ركن من أركان الأرض.
وكان مما زاد من شكوك كل الذين تابعوا رحلة وفد منظمة الصحة العالمية إلى الصين، أن الحكومة في بكين ماطلت في البداية في أمر الزيارة، وتأخرت عن قصد في منح أعضاء الوفد تأشيرة الدخول، وكادت المنظمة تلغي رحلة وفدها لولا أن التأشيرة جاءت في اللحظة الأخيرة!
هذا بالطبع عزز من شكوك الناس في طبيعة نشأة هذا الضيف اللعين، وجعل المئات من الملايين لا يقبلون بلقاح ضد فيروس لا يعرفون كيف نشأ ولا من أين جاء، ولا يعرفون لماذا ترفض الصين دخول وفد منظمة الصحة العالمية إلى أراضيها إذا لم يكن هناك ما يدينها في الموضوع!
ولم يكن هذا وحده هو الذي ضاعف من مخاوف الذين قصدهم بايدن في حديثه عن إصابات وعن وفيات بينهم، ولكنْ هناك أسباب أخرى من بينها أن اللقاحات المتاحة في الأسواق هذه الأيام جرى التوصل إليها في زمن قياسي، إذا ما قورن الأمر بلقاحات سابقة لفيروسات مختلفة في أزمنة مغايرة.
قد يقال إن القاعدة العلمية الغنية التي كان العالم يتحرك على أساسها في مواجهة «كورونا»، ليست هي القاعدة العلمية الفقيرة التي كان يتحرك على أساس منها في وقت الجدري أو في وقت شلل الأطفال، وهذا في حد ذاته صحيح بحكم التطور الطبيعي لقواعد العلم في عالمنا، ولكن المشكلة أن ذلك لم يحدث أن توازى مع شرح مقنع له يقدمه عقلاء موثوق بهم إلى جمهور الناس.
لم يحدث، وبالتالي فالذنب ليس ذنب الذين يتشككون ويمتنعون ويترددون، ولكنه ذنب الذين استخفوا ويستخفون بالعقول.
ثم كان هناك ما قيل ولا يزال يقال عن ربط حركة أي إنسان من دولة إلى دولة بحصوله على اللقاح، بل وبالحصول على لقاح بعينه دون سواه من اللقاحات!
القصة على بعضها من أول عدم اليقين في نشأة الفيروس، وما إذا كان طبيعياً أم مصنّعاً، إلى سرعة التوصل لأكثر من لقاح في وقت واحد، إلى فرض اللقاح على الذين يرغبون في التنقل من عاصمة إلى أخرى، كان من الطبيعي أن تولد كل هذه الهواجس تجاه اللقاح، مهما قيل عن مزاياه، ومهما قيل عن قدرته على أن يخفف من الأعراض، وربما من الإصابة ذاتها.
ولم يكن «فيسبوك» هو وحده الذي نشر معلومات عن هذه الزوايا الثلاث كمثال، ولكن الإعلام التقليدي كان أيضاً ينشر ويقول، وكان القراء والمشاهدون والمستمعون يطالعون فيه حول هذا الشأن، ما كانوا يجدونه هو نفسه على موقع «فيسبوك» وغيره من المواقع!
إن «فيسبوك» يمكن أن يكون شماعة جاهزة تسعف بايدن فيما يطلقه من اتهامات وتسعفنا معه، ومن الممكن أن يكون الفيس شماعة حقيقية لا مفتعلة، ولكنه ليس الشماعة الوحيدة لسوء الحظ، وإلا، فأين مسؤولية منظمة الصحة العالمية في ملف هو ملفها بلا منافس؟!

نقلا عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.