.
.
.
.

جهل لا يضر!

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:

فى رابع أيام العيد، وقف خطيب الجمعة يعظ المصلين فى قصة الذبح، ويتحدث عما دار بين إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام!.

ومن فوق المنبر، راح الخطيب يناقش فى سن إبراهيم يوم جاءه أمر الذبح من السماء!.. فهناك فى تقديره مَنْ يقول إن إبراهيم يومها كان فى السادسة والثمانين، وهناك كلام يقول إن الأمر كان بذبح إسحاق لا إسماعيل، ولكنه كلام خطأ ولا دليل على صوابه!.


وهكذا غابت وتغيب قضايا الناس الحقيقية فوق منابر صلاة الجمعة، لأن ما كان الرجل يناقشه ويعرضه على جموع المصلين هو من نوع العلم الذى لا ينفع، والجهل الذى لا يضر!.. فلن ينفعك أو ينفعنى فى شىء أن نعرف أن إبراهيم كان فى سن كذا يوم جاءه الأمر من الله تعالى بذبح ابنه، ولن يضرك أو يضرنى فى شىء أن نجهل أنه كان فى التاسعة والتسعين يوم أنجب إسحاق عليه السلام!.


ولكن سوف يضرنا جميعًا أن تغيب مشاكل الجماهير الحية عن منبر الجمعة، وألا يتحدث الخطباء عن قضية الالتزام فى العمل على سبيل المثال، وألا يتحدثوا عن قضية النظافة العامة التى تؤرقنا فى كل مكان، والتى يلحظها كل واحد منا بالعين المجردة فى كل ركن، وفى كل ميدان، وفى كل شارع!.


سوف لا يضرنا فى شىء أن نجهل سن سيدنا إبراهيم يوم الذبح، أو أن نجهل أى الولدين كان سيذبح: إسماعيل أم إسحاق؟!.. ولكن سوف ينال منا ومن مكانتنا بين الأمم أن تكون قضية مثل قضية الأمانة غائبة عن منابر الجمعة، وأن يذهب المصلى إلى المسجد فلا يسمع ما يغيّر من وعيه، وحياته، وثقافته، وعقله، وفكره، وضميره، وسلوكياته بين أفراد المجتمع!.


أما لماذا منبر الجمعة بالذات؟.. فلأنه كان ولا يزال أكبر مؤتمر عام يقام على مستوى الجمهورية فى وقت واحد، ولأنه كان ولا يزال التجمع الأضخم الذى ينصت فيه الملايين من المواطنين إلى آلاف الخطباء فى ذات اللحظة.. ولا يزال فى إمكاننا أن نغير من خلاله فى واقعنا ما لا يمكن تغييره من طريق آخر سواه!.


خطبة الجمعة مؤتمر موسع ينعقد فى موعد ثابت، والملايين يذهبون إليه على أمل أن يسمعوا ما يفيد فى حياة كل واحد فيهم.. والمؤكد أن هذا سيحدث عندما يغادر المواطن مسجده وقد اختلف حاله بما سمعه وبما أنصت إليه، ولن يحدث بالعلم الذى لا ينفع، ولا بالجهل الذى لا يضر!.

نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.