.
.
.
.

عن الدور الياباني في القارة الآسيوية

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

أحد الأسئلة التي يغفل الكثيرون عن تناولها في شأن حاضر ومستقبل القارة الآسيوية، هو ذاك المتعلق باليابان ودورها في الحال، وكذا حضورها في الاستقبال، وهل ستبقى كثيرا في منطقة الظل الأمريكي، كما جرت الأمور منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أم سيتغير الحال في العقود القادمة، لا سيما مع ظهور صيحات قومية، تنادي بأن تتخلى اليابان عن دستورها السلمي المفروض عليها فرضا، منذ هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وأن تستعد لصولات وجولات آسيوية قائمة وقادمة.

طوال العقود الثمانية المنصرمة، اكتفت اليابان بالبعد الاقتصادي، وقد تفوقت فيه أيما تفوق، ونافست جيرانها الآسيويين عامة والصين بنوع خاص، وأثبتت أنها وعن جدارة الضلع الثالث من مثلث الرأسمالية العالمية مع أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، غير أن التساؤل الحالي هو: "هل تدوم تلك القناعات عند الأجيال اليابانية الشابة وهي ترى التغيرات القطبية من حولها، والصراع على مستقبل آسيا يكاد ينحصر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين؟

في واقع الحال يبدو أن هناك تغيرات مثيرة تجري بها المقادير ناحية دور اليابان وفي هدوء شديد، ومن غير صخب ، دور يجعل من طوكيو مركز جذب للعديد من الدول الآسيوية التي تمثل منطقة الوسط ، سواء على صعيد النفوذ العسكري أو الصناعي ، ما يجعل من اليابان قوة وسطية في المنطقة الآسيوية .

نجحت اليابان في العقود الثلاثة الأخيرة في أن تضحى مصدرا رئيسيا للمساعدة الأمنية البحرية للدول الجنوب آسيوية الأصغر ، والتي كانت تقف على الطرف المتلقي للطموحات التوسعية الصينية في المنطقة، والعهدة هنا على الراوي، ريتشارد جواد حيدريان، استاذ كرسي في الجغرافيا السياسية في جامعة بوليتكنيك في الفلبين.

في مقدمة تلك الدول التي استقطبتها اليابان تأتي الفلبين ، ففي خطابه التاريخي أمام البرلمان الياباني عام 2015، شكر الرئيس الفلبيني السابق بنينو أكينو اليابان على "دعمها لإطلاق واستدامة النمو الاقتصادي في الفلبين "، وعلى "مساعدة طوكيو في التعافي من الكارثة، وتعزيز قدراتها على الصمود في وجه الصعوبات".

ولعله من بين أهم العقول الغربية التي تنبهت لتطورات المشهد الياباني ، يأتي بطريرك السياسة الأمريكية ، هنري كيسنجر ، ففي كتابه المعنون: "النظام العالمي ..تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ"، يلفت الانتباه إلى أن أي تغييرات مسرحية مثيرة في توازن القوة في القارة الآسيوية ، سوف تترجمها المؤسسة اليابانية إلى عملية تعديل جديدة للسياسة الخارجية اليابانية ، ويشير إلى أن فترة قيادة ، شينزو آبي ، منحت اليابان هامشا مكنها من الانكباب على تقويماتها المحدثة.

ولعل صدقية كيسنجر يمكن التحقق منها عبر ، الكتاب الأبيض ، الصادر عن الحكومة اليابانية في كانون الثاني ديسمبر 2013 ، والذي خلص إلى أنه "بات من الضروري على نحو لا غنى عنه ، أن تبادر اليابان ، مع صيرورة بيئتها الأمنية متزايدة القتامة والحلكة ، إلى بذل جهود أكثر فعالية بالانطلاق من مبدأ التعاون الدولي".

والشاهد أن اليابان قد تعلمت من خبراتها السابقة على مرارتها، أنها وكما قال ونستون تشرشل ، لا تستطيع أن تفاوض إلى مدى أبعد من ذاك الذي تصل نيران مدافعها إليه ، وعليه فهي تعمل جاهدة على تقوية قدراتها على الردع ، بل وعلى هزيمة الأخطار والتهديدات ، إذا دعت الحاجة.

هل من مخاوف بعينها عند اليابانيين تجاه قوة مجاورة إقليمية صاعدة في أعلى عليين؟

ذلك كذلك بالفعل ، والقوة المقصودة لا تخطئها العين ، وهي الصين والتي لا يزال أهلها يحملون بين حنايا أضلعهم مقتا كبيرا لليابانيين الذي حاربوهم طويلا وارتكبوا جرائم في حقهم بحسب الرؤية الصينية ، بل وأكثر من ذلك فإن الصينيين يؤمنون بأن المسؤولين اليابانيين لم يعتذروا بما فيه الكفاية عن أخطائهم.

وعلى الجانب الآخر يرى اليابانيون أن بلادهم قد تعبت من كثرة الاعتذارات، وتثير الزيارات المتكررة للمسؤولين اليابانيين إلى ضريح ، ياسوكوني ، الذي يضم رفات عدد من الجنود السابقين ، تعتبرهم الصين مجرمي حرب في حقها غضبا متزايدا من قبل السياسيين والجمهور الصيني ، الذين يرون أن تلك التصرفات تتناقض مع قطيعة اليابانيين المفترضة مع ماضيهم الدموي.

تساؤل آخر مثير للاهتمام: "هل توفر اليابان عنصر القوة من حساباتها المستقبلية"؟

لا نذيع سرا إن قلنا إن اليابان لديها مخططها الخاص لعودتها كقوة مسلحة لها حضورها، وهي تتحسب لليوم الذي ستواجه فيه الصين عسكريا، واليابانيون يخشون من عمليات التحديث الواسعة التي تجريها الصين على جيشها وقواتها، وقد سبق للحزب الحاكم في اليابان التعهد بتعزيز القدرات العسكرية اليابانية لمواجهة الأطماع المتزايدة لبكين في بحر الصين الشرقي.

في هذا الإطار يتحتم علينا أن نذكر بأن اليابان قادرة على حيازة قنبلتها النووية في ستة أشهر، ذلك أنه لديها الخبرة والعلم والمواد اللازمة لذلك، ومعروف أنها تستطيع تحويل مصانعها المدنية إلى منشآت صناعية عسكرية ، في أسابيع معدودات.

في لحظات محورية آنية تتحرك اليابان باتجاه نوع من إعادة تعريف دورها الأوسع في النظام الدولي، بما ينطوي بالتأكيد، على عواقب بعيدة المدى داخل الإقليم وخارجه، بحثا عن دور جديد.

اليابان الآن تعيد تقييم حضورها الآسيوي بعناية بعيدا عن العواطف، مع التحسب للصين، ومعاينة جدوى تحالفها مع أمريكا، ولهذا تبدو كبداية لكتلة وسطية آسيوية سوف تجلى ملامحها في المدى الزمني القريب.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.