.
.
.
.

قبل الملء وبعده

محمود خليل

نشر في: آخر تحديث:

النقطة الواحدة من ماء النيل لم تكن تقل خطراً من وجهة النظر المصرية عن قيام إثيوبيا بتعبئة مليارات من الأمتار المكعبة وراء سد النهضة، كذلك كنا نتحدث، وقد عدت إثيوبيا علينا وأعلنت إتمام الملء الثانى.
خبراء المياه فى مصر يقولون إن إثيوبيا فشلت فى الملء الثانى لأنها لم تحجز الكمية التى أعلنت مسبقاً حبسها خلال شهرى يوليو وأغسطس 2021، وينسون أننا كنا نتحدث عن أن حجز نقطة واحدة من حصتنا يعنى تعدياً علينا. إنهم أشبه بموظفى القطاع الخاص الذين تم تنزيل مرتباتهم السخية، لكنهم اضطروا إلى قبولها، واعتبروا ما حدث وضعاً أفضل من استبعادهم الكامل من العمل، وهم بالبداهة لا يدركون أن الاستبعاد فى مثل هذه الأحوال يسبقه التنزيل.
آبى أحمد رئيس وزراء إثيوبيا خرج يهنئ دولتى المصب بإتمام الملء الثانى، دون الإضرار بشعبيهما! ولست أدرى كيف يفهم هذا الرجل معنى الضرر، فكل مليار تم حجزه خلال هذه المرحلة هو من حق مصر والمصريين. أمام هذه التهنئة خرج بعض المسئولين بالسودان فزعقوا زعقتين ثم سكتوا بعدها كما هو معتاد، فى حين صمتت مصر ولم تعلق. منذ الإعلان عن إتمام الملء الثانى ومصر صامتة لا تعلق. خبراء المياه هم الذين يعلقون.
وخبراؤنا كالعادة يرددون أن على إثيوبيا أن تعود إلى التفاوض من أجل الوصول إلى اتفاق ملزم.. عادوا إلى ذات الطرح القديم الذى سبق عملية الملء الثانى، رغم أن شواهد عديدة على الأرض تقول إن الموقف اختلف شكلاً وموضوعاً، وإن ما بعد الملء غير ما قبله.
لم تعلق إثيوبيا على حديث العودة للمفاوضات بالقبول أو بالرفض، مصر والسودان فقط هما من يطالبان به، وهو طلب تدعمه بعض الدول الكبرى، لكنها تؤكد كالعادة أن يتم استئناف المفاوضات تحت مظلة الاتحاد الأفريقى.
لست أدرى هل يتذكر خبراؤنا ما تردد على ألسنة مسئولين إثيوبيين قبل الشروع فى الملء الثانى للسد أم لا؟ بعض هؤلاء المسئولين تحدثوا عن أنه ما دامت مصر والسودان تتحدثان عن الحصص التاريخية فلا بد أن يكون على أجندة أى مفاوضات قادمة موضوع الحصص التى ستخصص لكل دولة من دول الحوض -على أساس جديد طبعاً وبعيداً عن الاتفاقيات التاريخية- على أن يتم دعوة كل دول الحوض بالطبع لحضور هذه المفاوضات.
طبيعى جداً أن تتحدث إثيوبيا على هذا النحو بعد أن فرضت واقعاً جديداً على الأرض، كنت أتوقع أن يتوازى معه طرح مختلف من جانب كل من مصر والسودان، لكن ذلك لم يحدث، فما زال الحديث جارياً عن العودة إلى المفاوضات.. ولست أدرى كيف سيكون موقفنا من فكرة التفاوض على حصتنا التاريخية؟
تكرار الحديث عن أن عدم تمكن إثيوبيا من حجز كمية المياه المستهدفة من الملء الثانى يمثل نصراً من الله وفتحاً مبيناً مسألة تثير القلق، كما أن الدعوة للعودة إلى المفاوضات من جديد تعنى القبول بخسائر أكبر.

نقلا عن الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.