.
.
.
.

نور «يوليو».. ونارها

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

لقد حلت الذكرى الـ 69 لـ «ثورة يوليو» أمس الأول الجمعة، وفى تلك الذكرى تحدث الرئيس السيسى إلى المواطنين مهنئًا ومؤكدًا على حقيقتين؛ أولاهما أن «يوليو» غيرت واقع الحياة فى مصر، وثانيتهما أن أصداءها تجاوزت حدود الوطن والإقليم لتصل إلى أرجاء المعمورة كلها.

سيمكن لهؤلاء الذين يناصبون «يوليو» العداء أن يجادلوا بأنها أجهضت «التطور الديمقراطى» فى البلاد، لأنها ألغت الأحزاب، وأممت المصالح الاقتصادية، وصادرت الصحافة، وأنشأت نظام الحزب الواحد، ونَصَّبت زعيمًا، وكرسته فى موضع «القداسة»، وحولت المجتمع إلى نسق واحد لا يحترم التعدد والتنوع، وجعلته يصطف مهللًا وهاتفًا خلف قيادة لا تعرف المساءلة أو المحاسبة؛ وهو الأمر الذى قادنا جميعًا إلى هزيمة مذلة، سلبتنا جزءًا عزيزًا من ترابنا الوطنى، وأدخلتنا فى مأزق ما زلنا ندفع ثمن محاولات الخروج منه حتى اليوم.

وفى المقابل، سيمكن لهؤلاء الذين يقدرون «يوليو» ويدافعون عنها، أن يجادلوا بأنها حررت مصر من الاستعمار، وصنعت لها مكانة مقدرة بين الأمم، وألهمت دولًا وحركات ثورية، وساندتها فى طريقها للحصول على استقلالها الوطنى، وفى غضون ذلك لم تتخل عن برامجها الاقتصادية والاجتماعية، التى نجحت فى منح البلاد فرصة لتحقيق أكبر نمو اقتصادى عرفته فى تاريخها، والأهم من ذلك أنها اجتهدت لتحقيق قدر معتبر من العدالة الاجتماعية، أعطى للفئات المهمشة والأقل حظًا فرصة للحياة بكرامة.

لكل طرف من الطرفين الحق فى أن يدافع عن وجهة نظره بكل تأكيد، بل يجب الاعتراف أيضًا أن لكلا الفريقين حظًا من سلامة المقصد ووجاهة الحجج، لكن كل هذا التشاحن والتدافع والجدل لا يمكن أن يسلب «يوليو» كونها «ثورة» مكتملة الأركان، ووطنية الوجه والتوجه.

«يوليو» ما زالت جديرة بالاحترام، لأنها فى طريقها للتعبير عن أهدافها أنتجت جيلًا من أبناء الفقراء، الذين لم يحملوا وصمة الفقر أبدًا، واستطاعوا أن يحققوا صعودهم الاجتماعى، وأن يجدوا مكانًا تحت الشمس، فى بلد امتلك مشروعًا حاول من خلاله أن يعبر عن نفسه، وأن يأخذ مكانته المستحقة.

لا يمكن نسيان ما فعلته «يوليو» فى مجالات الاستقلال الوطنى، والعدالة الاجتماعية، والتصنيع، والمكانة الإقليمية، والفنون والآداب، كما لا يمكن إغفال الهزائم والإخفاقات والتجاوزات الكبيرة التى شهدتها مصر فى عهد مفجرها.

إلى جانب كل انتصار تحقق وإنجاز تجسد، كان هناك تراجع أو إخفاق فى مجال ما، خصوصًا إذا ما تحدثنا عن الجوانب الحقوقية والحريات، ومع ذلك فقد ظلت «يوليو» قادرة على الدفاع عن نفسها إلى اللحظة التى غيب الموت فيها زعيمها فى العام 1970.

بدأ السادات عصره بالقول إنه «سيسير على خطا عبد الناصر»، لكنه فعل العكس تمامًا، حتى خرجت النكتة الشهيرة التى تقول إن «السادات سار فعلًا على خطا عبد الناصر.. لكن بممحاة».

تم الانقضاض على سياسات ناصر الاجتماعية، وعوضًا عن سياسة «عدم الانحياز» أو التحالف مع دول المعسكر الشرقى، أعلن السادات أن «99% من أوراق اللعب بيد أمريكا»، لكنه كان قد استطاع أن يزيل آثار العدوان، وأن يجد طريقًا لتحرير سيناء.

لقد حرصت «يوليو» على أن تجعل من التعليم وسيلة للصعود الاجتماعى، وعززت فكرة المساواة وعدم التمييز الطبقى أو الدينى أو الفئوى بين المواطنين، وهذه الأمور ما زالت ملهمة للمصريين، وإن كانت تعرضت للتجريف على مدى العقود الخمسة الفائتة. لا يمكن النظر إلى «يوليو» من زاوية واحدة باعتبارها نورًا أو نارًا، لكنها كانت مزيجًا من هذا وذاك، وقد أنتجت عصرًا من الإنجازات والإخفاقات التى سيظل الخلاف قائمًا بشأنها عقودًا، وهو أمر يجسد حقيقة «يوليو» ويقطع بأهميتها فى واقعنا الوطنى.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.