.
.
.
.

ما وصل إليه الربيع فى سوريا؟

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

قبل أسبوع قرأت خبرا فى الصحافة الأمريكية عما آل إليه حال اللاجئين السوريين الذين خرجوا من ديارهم من أركان عدة فى الدولة، حسب ما شاء القدر لهم والحظ أو الصدفة، حتى وصلوا إلى إدلب ليلتقوا مع آخرين اجتمعوا جميعا على صفة أنهم «نازحون». الحالة التى لفتت النظر لكى تصير نبأ كانت أن المقيمين فى المخيمات بدأوا فى بناء المأوى الذى سيعيشون فيه بعد أن صارت الحالة دائمة، أو شبه دائمة، فبالنسبة للغرباء خارج الموطن، لم تعد الخيمة وضعا يمكن التعايش معه، خاصة إذا ما كانت الأسر النازحة تحتوى على نساء وأطفال لم يعد ممكنا استمرارهم فى الحياة وسط أوضاع رثة.

التجربة العربية والعالمية فى التحولات التى تطرأ على اللاجئين والنازحين أنه عندما تتحول حالتهم من الخيام إلى المبانى الصلبة الخرسانية، فإن ذلك يعنى أولا أن حالة الخروج باتت بلا عودة، وثانيا أن الأوضاع البائسة أصبحت حقيقة تحتاج التعامل معها، وثالثا أن الجهود الدولية لاستيعابهم داخل أو خارج سوريا لم تعد ذات معنى. والبناء الصلب نوعا هنا ليس إقامة مدن أو قرى جديدة، وإنما هو باللغة المصرية يعنى «عشوائيات» فقيرة يحكمها العنف والتطرفـ خاصة إذا كان المحيط يشكل حزمة متناقضة من الأطراف المتصارعة التى تضم بقايا دولة الخلافة، مع القادمين من مناطق سورية كانت تسيطر عليها قوات الدولة السورية، ثم تخلت عنها، وبعد ذلك عادت إليها خلال سنوات الحرب التى طالت لعشر سنوات، وفى كل مرة كان النزوح يحتوى على أعداد وقوافل جديدة.

إدلب ذلك النطاق الجغرافى فى شمال غرب سوريا بات المساحة التى تحتوى على كل بقايا التناقضات السورية والتى فوق بؤسها بات عليها أن تتعرض للضربات الجوية الروسية، ومن الدولة السورية ذاتها جوا وبرا، ومن القوى المسلحة الكردية وبقايا الجيش السورى الحر، والقوات التركية بالطبع، ومن وقت لآخر لضربات جوية أمريكية ليس معلوما على من توجه تحديدا، وفى كل الأحوال فإنها كافية لإثارة الذعر لدى الأطفال الذين باتوا عاجزين تماما عن فهم ما الذى يعنيه كل ذلك الحشد من الجنود والقذائف والانفجارات.

أن تكون سوريا نازحا يعنى أنك فشلت تماما فى أن تكون لاجئا بعد أن قفلت فى وجهك كل أبواب الخروج إلى أرض الله الواسعة، مضافا لها عدم القدرة على العودة إلى موطنك الأصلى، لأنك ببساطة لم تعد مصنفا كمواطن. التصنيف يتراوح ما بين الهاربين والجبناء، وفى أحيان الخونة، حسب هوية السائل. كل من هذه الصفات له ثمن فادح يمكن دفعه أمام أنواع مختلفة من المحاكم السريعة، الحكم بسرعة الطلقات. الذعر والخوف والرعب خلق حالة من الاستسلام لأقدار صعبة تدفع إلى تأمل ما جرى منذ جاء «الربيع العربى»، خاصة بعد أن تعلم أن القوات السورية دخلت إلى درعا التى بدأت من عندها شرارة ثورة لم يكن فيها من يعرف شيئا عما سوف يلى من تطورات كما كان هو الحال مع كل ثورات الربيع الأخرى.

عادت قوات الجيش العربى وحزب البعث السورى، والرئيس بشار الأسد أعيد انتخابه للمرة الرابعة، وكأن شيئا لم يحدث فى التاريخ القريب، لا سقط مئات الألوف من الضحايا، ولا ملايين من الجرحى ولا ملايين أكثر من النازحين. فى الماضى كانت تعبيرات «نازح» و«لاجئ» تعنى هؤلاء الفلسطينيين الذين تعرضوا لمحنة إقامة دولة إسرائيل والحرب معها فى ١٩٤٨ و١٩٦٧. أصبحت الآن هذه التعبيرات شائعة عن جنسيات عربية متعددة، أصبحت الآن تغالب نفسها فيما آلت إليه أحوالها نتيجة أن الشعب أراد إسقاط النظام فى لحظة عبثية استسلمت فيها الجماهير لشعارات ساقطة.

القصة السورية مستدامة، ومن هنا كان لفظ الخيام وإقامة الأبنية الثابتة الصلبة التى ربما كانت قادرة على مقاومة الرياح وبرد الشتاء وحر الصيف. عشر سنوات مرت على التفتيت ثم التوحيد والانتخابات التى تسابق محاولات الأمم المتحدة للإصلاح من خلال دستور جديد. ما لا يعلمه أحد فى المنظمة الدولية هى أن الأزمة السورية بات «الانتظار» جزءا رئيسيا فيها بقدر ما كان ذلك قائما طوال عقود فى الأزمة الفلسطينية، والفارق هو أنها أشد قسوة ومرارة فى الحلوق. الدولة الوطنية تحاول ممارسة وطنيتها بشرعية العودة إلى ما كانت عليه الأحوال قبل أن يهل ربيع لم يكن له لا نسمة ولا زهرة.

ما حدث من قادة الثورة أنهم جاءوا من كل فج عميق فى العواصم الأوروبية والأمريكية لكى يقيموا الدولة الديمقراطية والليبرالية التعددية المدنية الحقوقية، لكنهم من فرط الحالة الثورية لم يتمكنوا أكثر من تكوين ائتلاف هش، لم يكن له من قيادة معروفة سوى متحدث رسمى (د. باسمة قدمانى قائدة مبادرة الإصلاح العربى من باريس كانت أول المتحدثين الرسميين التى لم تشفع لها الدراسات الكثيرة فى تغيير مسار الدولة)، ولكن ما إن تعثرت الأحوال، وجرى التدخل الروسى ومعه تغيرت كل المعادلات السورية، لم يبق هناك ما هو أكثر من الظلام الدامس الذى لا يسمح بظهور قيادة سورية للتعبير عن السوريين.

لو كان على التاريخ أن يحاكم المسؤولين إلى ما آلت إليه سوريا فإنه من العبث تعليق المسؤولية على أكتاف القوى الخارجية الإقليمية أو الدولية دونما حساب للذين عجزوا عن إدارة التحولات السورية من نخبة سورية أساءت التقدير بشكل مروع والذين ظهروا ثم جاءوا وذهبوا إلى حيث تكون السلامة فى باريس أو لندن أو عواصم أخرى. هؤلاء لم يتحملوا المسؤولية حتى الآن عن شعب جرى تضليله وقيادته إلى مصير مؤلم ومروع للعيش فى خيم متحركة أو أبنية عشوائية فى ظلال خطر دائم للقتل أحيانا والذبح أحيانا أخرى.

الحالة السورية لا بد لها أن تكون فى ذهن كل مصرى لأنها الشاهد العظيم على مجد الحالة المصرية التى أبى فيها رئيس الدولة أن يغادر إلى دولة أخرى، وقرر، كما فعل، أن يعيش فى مصر ويموت فى ترابها. كما قام فيها الجيش الوطنى المصرى الحارس فى الحفاظ على وحدة الدولة مرتين: مرة فى ٢٠١١ حينما أمسك بلجام العنفوان الثورى ومنعه من تفتيت الأمة، والأخرى فى ٢٠١٣ عندما منع الإخوان المسلمين من تحقيق حلمهم فى دولة إيرانية على ضفاف النيل. وفى المرتين تكون المشروع الوطنى الحالى ليس فقط فى الخروج من نظام إلى آخر، ولا من نظام إلى فوضى، ولا من استقرار إلى لاجئين، وإنما مسلحون بمشروع وطنى عميق للتغيير وبناء الدولة المصرية على أسس جديدة. لم يكن فى الأمر لا ضربة حظ ولا صدفة قدر، كان فيه تدبير قيادات أمسكت بحزم وتصميم بالدولة الوطنية وأخذت بيدها لكى تحقق التغيير والتقدم بما يليق بالدول العريقة.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.