.
.
.
.

كوفيد يضرب من جديد!

جيفري كمب

نشر في: آخر تحديث:

تحديداً في الوقت الذي اعتقد فيه الأميركيون أن أسوأ ما في كوفيد- 19 قد انتهى، ضرب الوباء في الولايات المتحدة بقوة من جديد! فخلال الشهر الماضي، ارتفع عدد الإصابات بمتحور «دلتا». وفي بداية شهر يوليو، كان عدد الإصابات الجديدة في الولايات المتحدة يناهز 13 ألف إصابة في اليوم. ولكن في ظرف أسابيع، ارتفع هذا العدد إلى 50 ألف إصابة. ونتيجة لذلك، عمدت مقاطعة لوس أنجلوس، التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة، إلى فرض ارتداء الكمامات من جديد على كل من الأشخاص الملقَّحين وغير الملقَّحين في كل الأماكن المغلقة المشتركة مثل المطاعم. هذا ويتسارع الانتشار السريع للمتحور في أوروبا أيضاً.
حتى الآن، الولايات الأميركية الأكثر تضرراً هي تلك التي لديها أقل عدد من الأشخاص الملقَّحين مثل ولاية ألاباما ومسيسيبي وأركانسو ولويزيانا وفلوريدا. حكام هذه الولايات «الجمهوريون» كانوا يمتنعون عن تنظيم حملات من أجل إقناع الناس بتلقي اللقاح. ولكن هذا الامتناع قد يكون بصدد التغير الآن. فخلال مؤتمر صحفي يوم 22 يوليو، سُئلت حاكمة ولاية ألاباما «كي آيفي» حول المستويات المرتفعة للإصابات الجديدة في ولايتها، فكانت صريحة للغاية: «لا أستطيع أن أجبرك على الاعتناء بنفسك»، مضيفة أن «الوقت حان لإلقاء اللوم على الأشخاص غير الملقَّحين، وليس الأشخاص العاديين». وفي غضون ذلك، حثّ حاكمان «جمهوريان» بارزان هما رون دي سانتيس من ولاية فلوريدا وآسا هاتشينسون من ولاية أركنسو ناخبيهما على تلقي اللقاح، وهو ما جرّ عليهما انتقادات من بعض المحافظين الذين اتهموهما بالانجرار إلى «الصواب السياسي».
ردود الفعل هذه تشير إلى وضع صعب يواجهه «الجمهوريون»: ذلك أن تأييد مزيد من اللقاحات هو بالضبط الرسالة التي تروّج لها إدارة بايدن وتتعارض مع الرسالة التي كانت تبعث بها وسائل الإعلام المحافظة من أن التلقيح ينبغي أن يكون اختياراً فردياً وليس مفروضاً من الحكومة.
ولا شك أنه شيء مأساوي حقاً أن تتحول مسألة جدية وخطيرة مثل التلقيح إلى كرة قدم سياسية، غير أن ذلك ليس مفاجئاً في أعقاب انتخابات 2020 وهزيمة دونالد ترامب، ذلك أن بايدن يدرك أن عودة خطيرة للوباء ستُضعف جهوده الرامية إلى إنهاء القيود المفروضة على النشاط الاقتصادي مثل قطاعي السفر والترفيه، وأنه إذا عاد الاقتصاد الأميركي إلى النمو البطيء، أو حتى ركود جديد، فإن ذلك سيضر بـ«الديمقراطيين» العام القادم في الانتخابات النصفية وقد يكلّفهم الأغلبية في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ. وبالتالي، فإنه من مصلحتهم كثيراً زيادة وتيرة التلقيح الذي يُعد الطريقة الأكيدة لاحتواء تفشي متحور دلتا.
بيد أن «الجمهوريين» يواجهون تحديات خاصة بهم أيضاً: ذلك أنهم إذا احتجوا أكثر مما ينبغي بشأن القيود الجديدة على النشاط الاقتصادي والاجتماعي، فإنهم سيكسبون دعم الفصائل المحافظة المتشددة المناصرة لترامب، ولكنهم يمكن أن يخسروا بالمقابل أصواتاً حاسمة من المستقلين وناخبي الضواحي الذين سيعتبرونهم غير مسؤولين وغير مستعدين لفعل كل ما هو ضروري من أجل إقناع أنصارهم بتلقي التلقيح.
الأصوات المتزايدة من المجتمع الطبي تمثّل مؤشراً على أن الانقسام بخصوص إلزامية التلقيح أخذ يتحول إلى مشكلة سياسية كبيرة. ففي 26 يوليو، دعت أكثر من 50 منظمة وجمعية من قطاع الرعاية الصحية إلى التلقيح الإجباري لكل الموظفين. وخلال اليوم نفسه، أعلنت وزارة شؤون المحاربين القدامى أنها ستفرض التلقيح على عمالها الذين يشتغلون على الخط الأمامي. وهي أول وكالة فيدرالية تقوم بذلك ولكنها لن تكون الأخيرة، ذلك أن وكالات أخرى من المحتمل أن تحذو حذوها، ما يوحي بإمكانية فرض التلقيح على الصعيد الوطني في نهاية المطاف. وفي غضون ذلك، بدأت ولايتا كاليفورنيا ونيويورك ومستشفيات عديدة بما في ذلك مستشفى مايو كلينيك الشهير تفرض على العمال التلقيح أو الخضوع لاختبار كورونا بشكل أسبوعي. ولئن كانت بعض الولايات والمؤسسات ستقاوم هذا المنحى الوطني، فإن فرضاً وطنياً سيعني أن ما يكفي من الناس سيكونون ملقَّحين ليوفّروا احتمالية أكبر لتحقيق «مناعة جماعية» ضد الفيروس.
المثير للسخرية هو أن الولايات المتحدة لديها ما يكفي من اللقاحات لتغطية كل سكانها. وما هو مطلوب الآن هو جهد وطني جديد للتغلب على مقاومة من يقاومون عمليات التلقيح. ولا شك أنه بالإمكان حل الأزمة إذا أدرك ما يكفي من الزعماء «الجمهوريين» وأنصارهم في وسائل الإعلام أن تغليب مصلحة البلاد على الحسابات السياسية الحزبية إنما يصبّ في مصلحتهم على المدى الطويل.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.