.
.
.
.

مفاعيل التسوية الساقطة... بالقوة

وليد شقير

نشر في: آخر تحديث:

حين أشار زعيم تيار "المستقبل" سعد الحريري إلى شعوره بالندم حول التسوية التي أوصلت العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، قائلاً إنه "لم أكن أتوقع بحياتي أن يكون بهذه النفسية"، لم تكن المرة الأولى التي يعلن هذا الموقف من مسؤوليته عن خيار بدا أنه خاطئ وتسبب له بخصومات ومواقف سلبية حتى في عقر داره في تياره وجمهوره.

جوهر المشكلة كان يكمن عندما راهن على أن يؤدي تحالفه مع العماد عون إلى أخذ الأخير مسافة عن "حزب الله" حين يصبح رئيساً، فيما الحقيقة أن مؤسس "التيار الوطني الحر" ووريثه السياسي، صهره النائب جبران باسيل كانا أوغلا في الالتزام بمقتضيات هذا التحالف وما يرتبه على صعيد السلطة السياسية وخياراتها الإقليمية. هذا من الناحية المبدئية. أما من الناحية العملية فإن أضرار هذا التحالف عليه، والتي توجب الندم فهي سابقة على تعطيل محاولته تشكيل الحكومة على مدى 9 أشهر.

سبق للحريري أن أعلن سقوط التسوية الرئاسية في مؤتمر صحافي أعقب ذلك الذي أعلن فيه استقالته في 29 تشرين الأول عام 2019، إثر 13 يوماً على انتفاضة اللبنانيين ضد الأزمة الاقتصادية الاجتماعية حين كانت في بدايتها، معلناً أنه "وصلت إلى طريق مسدود لمحاولة حل الأزمة". في حينها اتهم الحريري رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل بتقويض التسوية وإفشال العهد والحكومة والحؤول دون الإصلاحات التي كان يمكن أن تنقذ البلد من أزمته.

منذ لحظة الاستقالة وجد الفريق الرئاسي و"حزب الله" أن إسقاطها من قبل الحريري يجب ألا يسقط مفاعيلها التي استفاد منها الثنائي المتحالف على مدى 3 سنوات لتوطيد سلطته وإمساكه بالقرار عبر التنازلات التي قدمها لهما الحريري سواء بطريقة إدارة البلد أو بقانون الانتخابات النيابية، معتقداً أنه بذلك يأخذ منهما الإنقاذ والإصلاحات، فيما كانت النتيجة تمكن الثنائي من الإمساك بمفاصل أساسية في البلد كل لأهدافه.

ما جرى منذ استقالة الحريري قبل زهاء سنتين، وصفه هو في مقابلته مع "سكاي نيوز عربية" بقوله إن "المشكلة قائمة في تطبيق الدستور طالما هناك حزب مسلح وحزب آخر يفسر الدستور بحسب مزاجه". فقد جرى التلاعب بالدستور طوال تلك الفترة وقبلها. فالثنائي الذي لم يكن يريد الاستقالة بما تعنيه من إسقاط للتسوية، أصر على الاحتفاظ بمفاعيلها، بالقوة، بالحريري ومن دونه، مهما كان أثر انسحابه منها وندمه عليها على استمراريتها نظراً إلى ما يمثله سياسياً وطائفياً.

الشروط التي وضعت على التركيبتين الحكوميتين اللتين وضعهما الحريري هي محاولة للاحتفاظ بمفاعيل التسوية، بما تعنيه من هيمنة فريق على السلطة، بالقوة، تماماً مثلما فرضت قوة السلاح التنازلات التي يسميها الحريري التضحيات، والتي أدت إلى التسليم بأرجحية "حزب الله" وحليفه عون في ميزان القوى وبالتالي انتخاب عون للرئاسة. محاولة الفرض هذه تستمر مع الرئيس المكلف الجديد نجيب ميقاتي، مع الفارق أن الأخير لم يكتفِ بعدم الانخراط في التسوية الرئاسية، بل هو كنائب لم يقترع لعون رئيساً، وبالتالي هو في حل من فرض مفاعيل التسوية الرئاسية عليه، مهما كانت ليونته التي يمتدحه عليها الفريق الرئاسي.

الإبقاء على مفاعيل التسوية التي سقطت بمنطق القوة، للحفاظ على التفرد بالحكم بعد انسحاب الحريري، هو ما يريده الفريق الرئاسي من تشكيل الحكومة، مستظلاً "حزب الله". أما إذا لم يتمكن من ذلك فإن مصالحه الفئوية تقوده إلى إسقاط الجمهورية الثانية كما قال باسيل أول من أمس، لمصلحة جمهورية ثالثة يتوهم بأنها تتيح له هذا التفرد. إنه تهديد بقوة التخريب.

* نقلا عن "نداء الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.