.
.
.
.

انسحاب الصدر يخل بموازين القوى ويضعف الانتخابات

فرهاد علاء الدين

نشر في: آخر تحديث:

تعالت أصوات المنادين بإجراء الانتخابات في موعدها المحدد بعد تزايد الآراء حول احتمالية تأجيلها عقب اعلان مقتدى الصدر الانسحاب في ١٥ تموز وإعلان تحالف المنبر بزعامة اياد علاوي قرار المقاطعة. في حين غرد زعيم دولة القانون نوري المالكي في ٢٩ تموز ٢٠٢١ قائلا "الانتخابات ستجرى في موعدها المقرر في ١٠/١٠ وموقف القوى التي اعلنت عدم مشاركتها محترم لكنه موقف خاص بها ولا يجوز فرضه على رأي الاغلبية المتفاعلة مع إجراء الانتخابات المبكرة في موعدها المحدد". الى ذلك سارع تحالف الفتح بإطلاق حملته الانتخابية في يوم .٣ تموز حيث دعا رئيس التحالف هادي العامري المنسحبين من الانتخابات الى مراجعة قرارهم وفي نفس الوقت اكد على ضرورة اجراء الانتخابات في موعدها المحدد.

وكانت قيادات اللجنة التنسيقية الشيعية قد اجتمعت قبل بضعة أيام وأكدت على اجراء الانتخابات، وذكر مصدر مطلع بان رئيس تحالف قوى الدولة عمار الحكيم طلب من الحضور مناقشة انسحاب التيار الصدري وضرورة التحدث مع زعيم التيار مقتدى الصدر للعودة عن قراره، وتم بحث الموضوع واتفق المجتمعون على ضرورة اجراء الانتخابات بوجود او عدم وجود التيار الصدري.

الرئاسات الثلاث من جانبها التقت في القصر الحكومي مع قيادات القوى السياسية في ٣١ تموز ٢٠٢١ للاطلاع على زيارة رئيس مجلس الوزراء الى واشنطن ونتائج الجولة الرابعة للحوار الاستراتيجي ومناقشة مسألة الانتخابات والمقاطعات التي شابتها، وتم التأكيد على اجراءها في موعدها المقرر ودعا المجتمعين " القوى السياسية التي أعلنت خلال المدة الماضية عدم المشاركة في العملية الانتخابية لأي سبب كان ومطالبتها بالعدول عن هذا القرار، والبدء بحوار صريح؛ لتحصين العملية الانتخابية، وترصين الديمقراطية في البلد".

يرى مراقبون بانه من الطبيعي ان تذهب القوى الشيعية باتجاه الإصرار على اجراء الانتخابات بعد انسحاب الصدر، لان المقاعد الصدرية المتوقعة ستتوزع على هذه الكتل في الوقت الذي قد يكون البعض منهم في حالة ضعيفة اذا ما شارك الصدر، بمعنى اخر، انهم يرون انسحاب الصدر فرصة مؤاتية لا تعوض اذا مااستغلت هذه الفرصة الذهبية لصالحها.

آثار المقاطعة الصدرية

مراقبون اعربوا عن تخوفهم من عدم اشتراك التيار الصدري في الانتخابات اذا استمر الصدر على قرار مقاطعة الانتخابات، كون التيار الصدري لديه اكثر من مليون ناخب، بالإضافة الى الملايين التي قد لا تشارك. واذا جمعنا اعداد جمهور الأحزاب المنسحبة منها التيار الصدري والتيار المدني وحراك تشرين وغيرهم من الأحزاب الصغيرة، يضاف اليهم أصوات ناخبي الخارج الذين تم استبعادهم من التصويت بقرار من المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، علاوة على العزوف الكبير من قبل الجمهور بشكل عام فإننا قد نكون امام انتخابات فاقدة للشرعية الجماهيرية وهكذا انتخابات سوف تعقد المشهد السياسي بدل حلحلته.

يسيطر جمهور التيار الصدري على مناطق كبيرة من الخارطة الانتخابية ويكون من الصعب دخول المرشحين من الأحزاب الأخرى لهذه المناطق واطلاق حملاتهم الانتخابية او حتى توجه جمهورهم الى صناديق الاقتراع يوم الانتخاب وسط مقاطعة جمهور التيار الصدري. وهذا قد يخلق نوعا من التصادم بين جمهور التيار الصدري وبقية الأحزاب.


ولعل التخوف الأهم هو ان يصبح التيار الصدري معارضا للحكومة القادمة علما انهم جربوا هذه المعارضة في السابق ولم تكن تجربة ناجحة لهم او للحكومة، وانتهت بحملات عسكرية وتصادم، وتكرار هكذا تجربة قد تفضي الى نتائج لا تحمد عقباها، خصوصا ان التيار لديه قوة عسكرية كبيرة وفعالة وماسكة للأرض في بغداد وسامراء وغيرها من المناطق التي يسيطر عليها.


اختلال موازين القوى الشيعية

تنقسم الخارطة السياسية الشيعية على ثلاثة محاور، محور المحافظين والذي يمثله تحالف الفتح ودولة القانون والمجلس الاعلى، والمحور الثاني هو محور المعتدلين يمثله تحالف قوى الدولة (تحالف النصر وتيار الحكمة) والأحزاب الشيعية الصغيرة والممثلة بالشخصيات السياسية مثل حزب الوفاء والفراتين وغيرها والشخصيات المستقلة. المحور الثالث يمثله التيار الصدري الذي يجمع بين التيارين المحافظ والمعتدل.

في حال غياب التيار الصدري عن المشهد السياسي داخل مجلس النواب، ستكون كفة محور المحافظين هي الأرجح والاقوى كون هذه القوى تملك السلاح و الحضور العسكري (عدا دولة القانون). بالإضافة الى تمتع محور المحافظين بدعم مباشر وعلاقات متينة وقوية مع ايران وهذا يضيف لها ثقلا كبيرا داخل المعادلة السياسية بشكل عام.

في ذات الوقت يشكل غياب التيار الصدري اضعاف لموقع محور المعتدلين وهذا ما تخشاه أكثرية القوى داخل هذا المحور، اذ انها تدرك عدم إمكانية منافستها التيار المحافظ من دون التيار الصدري. حيث ان العدد والعدة التي لديهم لا تكفي وهي متشتتة التوجه في اكثر الأحيان ولن تتمكن من توحيد ارادتها وتوجهاتها بشكل فعال كما في الماضي عندما تعثرت جميع محاولاتها في تشكيل تحالف يجمعها.

القوى السنية والكوردية تقف متفرجة

لم تتدخل القوى السنية او الكوردية بما يحصل داخل الساحة الشيعية، ولم تطلق أي من الأحزاب الكبيرة داخل هذين المكونين أي تصريح او تعليق بما يتعلق بانسحاب الصدر او اجراء الانتخابات من عدمها، وباتت تقف متفرجة ملتزمة الصمت إزاء ما تقرره الكتل الشيعية.

يرى مراقبون بان موقف الأحزاب الكوردية والسنية يتسم بالسلبية، وان عدم ابداء رأيها يدل على ضعف مواقفها تجاه ما يجري وانها تستسلم لحقيقة عدم امتلاكها صوتا مؤثرا، منتظرة القرار من الأحزاب الشيعية، برغم انها معنية بالدرجة الأساس بما يجري وان أي قرار شيعي سواء بإجراء الانتخابات او تأجيلها سوف يؤثر عليها وعلى جمهورها بشكل مباشر.

يفترض بهذه القوى ان تساهم في بلورة القرارات المصيرية وهي دوما تشكو من عدم اشراكها في القرار من قبل المكون الأكبر. فمن واجبها ان تساهم في صناعة الرأي المشترك إزاء الاحداث السياسية الكبيرة مثل خروج لاعب سياسي مهم كالتيار الصدري من السباق الانتخابي. جدير بالذكر بان الأحزاب الكبيرة داخل المكونين حاولوا في الماضي القريب التحالف مع الصدر بشكل مباشر او غير مباشر، سواء قبل الانتخابات او بعدها، ويعتمدون على نوابه بشكل صريح لتسنم المناصب الرئاسية مثل رئيس مجلس النواب او رئاسة الجمهورية او الحصول على المناصب الوزارية عند تشكيل الحكومة.

آثار عدم المشاركة على الكتلة الصدرية

اذا استمر زعيم التيار الصدري على موقفه من الانسحاب في الانتخابات وعدم مشاركة التيار الصدري ككتلة سياسية، فان القادم القريب يكون صعبا على العراق بشكل عام وعلى التيار الصدري وزعيمه بشكل خاص.

تمكن التيار الصدري وبشكل ممنهج منذ انتخابات ٢٠٠٦ من تقوية حضوره النيابي واستطاع ان يبسط نفوذه من خلال كتلته البرلمانية، وكان له دور كبير في تشكيل الحكومات الأربع السابقة.

قاد التيار الصدري حركة معارضة كبيرة في الماضي وتصادم مرتين مع الحكومة العراقية، مرة في عام ٢٠٠٤ والمرة الثانية في عملية صولة الفرسان عام ٢٠٠٨، وكادت العمليتين ان تنهي التيار الصدري، لكنه عاد للعملية السياسية بقوة وباستراتيجية واضحة ليصبح جزءا مهما من السلطة الحاكمة، فنجح في جمع المقاعد البرلمانية ليصبح اكبر حزب برلماني في انتخابات ٢٠١٨ بحصوله على ٥٤ مقعدا.

ان خروج التيار الصدري من الانتخابات القادمة سوف يضعفه بشكل ملحوظ وقد يكون الخاسر الأكبر لسببين، السبب الأول سيخسر مجاميع من مؤيديه لانهم ينتظرون منه الحماية والتعينات والخدمات اذا كان في السلطة، والسبب الثاني لان المنافسين التقليديين سوف ينعمون بالمقاعد التي هي من حصة التيار، بالإضافة قد يصبح التيار في مواجهة مباشرة مع الحكومة القادمة وهذا يعني اضطراب الوضع السياسي، واذا ما تطور هذا الاضطراب الى صدام مسلح كما في السابق، فان التيار الصدري سيخسر الكثير من جراء هكذا صدام، وهذا ما حصل في الماضي وخصوصا اذا فاز برئاسة الوزراء مرشح متشدد من المنافسين.

الانتخابات وفرص اجراءها

لا يخلوا أي نقاش سياسي في هذه الأيام من السؤال حول اجراء الانتخابات من عدمه وهناك شكوك كثيرة حول إمكانية اجراءها بغياب الصدر، ولعل قرار البيت الشيعي في المضي بإجراء الانتخابات هو قرار حاسم خصوصا وان المجتمع الدولي يرى ضرورة اجراءها وخصوصا ان كل من أمريكا وايران متحمسان لأجرائها في موعدها المقرر.

جدير بالذكر ان الانتخابات الماضية عانت من قلة المشاركة والمؤشرات الحالية بعد خروج التيار الصدري من المنافسة لاتشجع على مشاركة واسعة وفق التأملات السائدة، بل على العكس
بالعودة الى السؤال حول احتمالية اجراء الانتخابات، فان الإجراءات الرسمية وتصريحات المسؤولين والرئاسات كلها تدل على انها جارية في موعدها المحدد، ولكن النسبة الأكبر من هؤلاء المسؤولين وفي مجالسهم الخاصة يجزمون بانه لا انتخابات من دون التيار الصدري.

وقد دعت القوى السياسية في اجتماعها يوم امس مع الرئاسات في القصر الحكومي "البدء بحوار صريح؛ لتحصين العملية الانتخابية، وتقوية الديمقراطية في البلد". هذا الحوار سيمهد الطريق لاتخاذ قرار ملزم لجميع القوى السياسية سواء كان القرار بإجراء الانتخابات او تأجيلها.

ان العراق بحاجة الى استقرار سياسي واقتصادي وامني، والوضع السياسي المتأزم بتزامن مع الوضع الأمني المقلق واشتداد الصراع الإقليمي يضع البلد على صفيح ساخن، مع اقتراب موعد الانتخابات وشهر محرم الحرام في ظل صيف لاهب، فان الجو الانتخابي سيكون مشحونا بشكل غير مسبوق ولا يمكن ان يضاف الى ذلك هذا التردد والتشكيك حول اجراء الانتخابات من عدمه او اتساع رقعة القوى السياسية المقاطعة للانتخابات.

نقلاً عن "روداوو"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.